#message84280124481950516980150038985582283549849oSObkYn4Ur5HQVfr2mDutCwZD6B2GOl1JSN67XkBSuZwyDwkfNATo6agfVxpWDuMqTEASOfXYRL4tkd4tfGb271ZKC2mKnMX0gAgzMSnacWsicHwI1xzlheHRbFFw4UHDHNIu2XVoZUcvhGRqD6cClINECTXY { overflow:auto; visibility:hidden }
.. عض عينه !
مصطفى سكر
"" دون النظر إلى ساعة الحائط أو مفكرة الجيب أعرف مواعيد صراخي .. وأنا هائم في الطرقات ، أصافح هذا ، وأودع ذاك ، أنظر خلسة إلى الشرفات العالية إلى الأماكن التي ستبلغها أظافري وأسناني في الثورات المقبلة .. فأنا لم أجع صدفة ، ولم أتشرد ترفا أو إعتباطا ، ما من سنبلة في التاريخ إلا وعليها قطرة من لعابي .. "" ! محمد الماغوط (الشاعر السوري) " ياأخي حتى الصراصير تتفاهم فيما بينها بملامسة الشوارب ، فكيف لا نتفاهم نحن مع بعضنا ونحن لا تنقصنا ، لا الشوارب ولا اللحى ! " كان هذا رد (الذي هنا) على (الذي هناك) ، من خلال جواله النوكيا ذي الشاشة العريضة والكاميرتين ! أما (الذيهناك) فهو صديق مخلص ل (الذيهنا) وكان يرجوه الإبتعاد عن (الهامور) لما له من سمعة رديئة في عالم المال والأعمال ! لكن الذيهنا لم يقتنع ، ولن يقتنع بأى حجج تسوق إليه لمنعه من توطيد علاقته بمن يسمى بالهامور ، خاصة بعد أن ربح من إستشاراته آلافا مؤلفة من الريالات ! الذيهنا شاب نشيط وذكي ، منفتح وطموح ، لكنه مندفع وعنيد وحاب لنفسه ، فقد تخلى عن أسرته بطيش ، تاركا وراءه أب معلول وأم هدها الزمن وثلاث بنات ، أكبرهن مدرسة وهى السند والمورد الوحيد لأسرتها ! كان بعد أن حصل على الثانوية قد أكمل تعليمه الجامعي في جامعة كانبيرا بإستراليا على نفقة أخته ، ولما عاد مهندسا عمل لمدة سنوات في شركة الكهرباء ، لكن طموحه دفعة لترك الوظيفة المرموقة والنزول إلى السوق ! أحلام الثراء السريع كانت تؤرق نومه ، وتشغل فكره ، ونظريته التي إعتنقها وصارت نبراسه ، أخذها من دراسته للهندسة "" الخط المستقيم هو أقرب الطرق بين نقطتين "" ! هذه النظرية أو هذا الشعار كان يأكل به آذان أقرانه ، بدعوى أو بدون دعوى ، كان يردده وكأنه نبراس أو سفر من أسفار العهد القديم ! حين إفتتح أول محل له لبيع الأدوات الكهربائية ، قال أن التجارة شطارة ، فبرأس مال ضئيل ، إستطاع أن يجمعه دفعه كعربون لوكلاء هذه الأدوات فأغرقوا محله بالمعروضات وأغرقوه بالكمبيالات المؤجلة الدفع ! مشى الحال معه سريعا ، فإفتتح محلا ثانيا ، ثم ثالثا ، وظف بمحلاته مجموعة من البائعين الهنود بأجر زهيد ، وياليتهم يقبضونه منه ! ليس البيع مثل الشراء ، شراء الأدوات سهل مادمت ستدفع أو ستوقع ، لأن التجار الكبار حقوقهم محفوظة قانونيا ! لكن البيع بالمفرط يتم أغلبه بأقساط غير مريحة وغير مربحة لمجتمع يشكو أغلبه من شح السيولة ، أو كما هم يقولون ! لم ينسى منظرا رآه حين كان عائدا من إستراليا بحرا ، كان يقف على سور الباخرة يتفرج ، أعجب بحركات عمال الميناء وهم يهرولون لفك أربطة الباخرة ، فعلم أنه لكى تبحر المركب وتمخر البحر وتسبر أغوارالمحيط ، لابد أن تتحلل أولا من قيودها ، من الأربطة التي تقيدها بأوتاد المرسى ، ولهذا فقد عقد العزم من وقتها على أن يفكك كل أربطته التي رأى أنها تقيده ، وأولها أسرته ، فقد تركهم وهم في مسيس الحاجة إلى المؤازرة ، ورحل إلى بلدة أخرى ! لكنه كان يزورهم في أوقات متباعدة وفي زيارات خاطفة وبيد فارغة ، في آخر زيارة أخذت أمه تشتكي له من الأزمات الخانقة التي تمر بها الأسرة ، فالأب مريض ويحتاج للدواء ، والبنات رهينات البيت لا يخرجن لقلة الموارد ، والكبيرة أثقلتها أحمال الأسرة فزهدت في الحياة برمتها بحلوها ومرتها ! لكن الذيهنا كان يسمع وقلبه شتى ، فقد كان يفكر في حاله وأحواله ، فلم تهز شكاوى أمه شعرة واحدة من رأسه ، فلما ضاقت الأم بصمته صرخت قيه : إيش ياولدي ، أنزعت من قلبك الرحمة ؟! أرى إنك لم تتأثر بحالنا ولم تشفق على أحوالنا ، ولم تفكر ولو ثانية واحدة في طريقة تمد بها يد العون إلينا ! فكان رده : ياأمي الديون مكبلاني ، والناس حاسداني ، لا يدرون ما أنا به من مشاكل ، تصدقين بالله ياأمي لقد صرت أتهرب من الديانة ، فأغلقت جوالاتي حتى لا أسمع صراخ مطالبهم ، إدعي لي ياأمي بقلبك الصافي أن يفك الله كربتي ، وعندها ستجديني طوع بنانك ! أجابت الأم بفروغ صبر : ياولدي إفهم ، رزقنا قليل ، ومطالب البيت كثيرة ، ونجد صعوبة حتى في دفع إيجار الشقة ، ألم يعد عندك على أسرتك التي أنجبتك وربتك رحمة ولا شفقة ؟! قال بجمود : إدعي لي ياأمي بالفرج ! قالت بهلع : بل سأدعي عليك ياابن بطني بلباس الفاقة التي نحن فيها ! رد صاعقا : لا ياأمي لاتقولي هذا ، بل قولي لمن كان هو السبب ! نظرت إليه بغضب وهى تسأله : من تقصد ؟ قال والحقد ظاهرا عليه : للشيخ الراقد في الفراش ، أليس هو سبب نكستنا ؟ ألم تكن تصرفاته الهوجاء هى سبب ضياع الأسرة ، كان في وظيفة محترمة ، وكان يملك بدل البيت خمسة ، وكان يلعب بالفلوس لعب ، لكنه بدل أن يضمن لنا مستقبلا زاهرا ، عمل من نفسه الشيخ المصلح ، فترك وظيفته وباع أملاكه وساح في الآرض داعيا ومنقذا للبشرية ، يساعد هذا ، وينقذ هذا ، وينفق على هذا ، حتى فرغت جيوبه ، وهكذا ..... قاطعته الأم صارخة : لعنة الله عليك ، بل ألف علنة ولعنة ، أشكي لك من عوزنا ، فتخرج لي بقصة الرجل المريض ، قم ، قم وغادر البيت فلم يعد لك هنا مكانا عندنا ، ولم يعد لك مقاما بيننا ، فقام ببرود .. وخرج .. ولم يعد ! إحدى السيدات من حمولة هذه الأسرة ، كان زوجها يعمل أمين مستودع في شركة كبيرة ، في يوم أغبر سقطت عليه حمولة كبيرة من أحد الأرفف ، بسرعة نقلوه إلى المستشفي لإسعافه ، لكن قضاء الله كان أسرع ، توفى وترك لها ولدين لم يدخلا المدارس بعد ! شعرت المرأة أنها مقيدة ، فليس لها رجال يرمحون جوارها أوحولها لتنفيذ متطلباتها ، فلما إستنفذت كل حيلها وحين فاض بها ، رفعت السماعة وكلمت التي في مقام عمتها ، أى أم الذيهنا ، رغم علمها أنهم لا يطيقونها ، وحكت لها ظروفها التعيسة ، فما كان من الأم إلا أن واستها بكلمتين ثم أعطتها رقم إبنها لأنه يقيم بنفس بلدها ، عساه يجد طريقة لمساعدتها ! قالت لها إبنتها الكبيرة المدرسة : لماذا ياأمي تعطينها رقم أخينا وأنتي تعلمين أنها ساحرة وماكرة و(حرباية) ؟ أجابت الأم من وجع قلبها : مسكينة يابنيتي ، ظروفها صعبة ، مات رجلها وليس لها من يرعى مصالحها ، وأنتي تعلمين أن المرأة في مجتمعنا مكبلة ، لاتستطيع الخروج لقضاء حاجتها دون رجل يرافقها أو وكيل ينوب عنها أو محرم يرفع الحرج عنها ، ثم تعالي هنا ، من قال لكي أن أخيكي سوف يرد عليها أو حتى يعبرها ؟! إما مشغولا أو مقفولا ، هذا هو حال تليفون الذيهنا ، لكن المرأة لم تيأس ، حاولت مرارا وتكرارا ، ليلا ونهارا ، حتى كلمته ! من حسن حظها أو من حسن حظه ، أن له عميل مهم يعمل في نفس الشركة التي كان يعمل بها زوجها ، فبدأ إتصالاته بهذا المهم ! طلب منه (المهم) هذا أن يأخذ توكيلا موثقا من المرأة أولا ، ثم يحضر إلى الشركة وسوف يقوم بمعاونته في تصفية حسابات المرحوم كلها ! رافق الذيهنا المرأة إلي كافة الجهات الرسمية حتى أنجز التوكيل ، وحين أصبح وكيلها الشرعي بدأ رحلة تصفية متعلقات زوجها ، كانت الشركة قد أعطت بيتا للموظف فتنازلت عنه لأرملته وأولادها ، وكان له مستحقات نهاية الخدمة ، ومكافأة نظير تميزه في عمله ، وتعويض إصابة العمل ، ومعاش كامل لأسرته ، فكان الذيهنا يقبض في الذهاب والإياب أموالا تسيل لها اللعاب ! كان الذيهنا كثير التردد على الأرملة لإطلاعها أولا بأول على تحركاته ، فقد كان بريق الذهب قد بدأ يلعب بعقله ويسكره ، وبدأت خططا كثيرة تلح عليه وتحفزه ! ومن الجهة الأخرى كانت الأرملة قد بدأت تنظر إلي شبابه وحيويته ، وتفكر في غزو قلبه وفض عزوبيته ، وكان الأولاد قد أخذوا يأنسون بوجوده وحضرته ، فكان يسر كثيرا ، ويسعد بإحتفاءهم به وتهليلهم له حين رؤيته : هييه عمو عمو ، ثم ينقضون عليه لتقبيله وتحيته ! أخذت الحرباية تتصل عليه بإستمرار داعية إياه لأتفه الأسباب ، وكان حين يأتي يجد كل شيئ مجهزا ، الأولاد نيام ، والبيت هادئ ونظيف ومعطر ، والعشاء البيتي حار ومغطى ، وأرملة طروب ، بثوب لعوب وشعر مجذوب ، وعطر مسكوب ، وشيطان يرقص بحرابه في كل الزوايا والدروب ! بعد عدة شهور أبلغته المرأة أن جنينه قد بدأ يلعب في بطنها ، قال في نفسة بعد لحظة تفكير سريعة "" على الآن أن أحسبها صح ، المرأة تكبرني بعدة أعوام ، قصيرة وحنطية لكن مازال بها جمال ، عندها ولدين ، لكنها وحدانية ومنكسرة ومطيعة ومتفاهمة ، وتحمل على ظهرها زكيبة ذهب وتملك بيتا كبيرا مؤثثا ، وأنا عندي محلات لكن ديونها تأكل مواردها ، وليس لي من يرعاني ويؤنسني ، فلماذا لا نفتح ثقبا يصل بين إنائها الممتلئ وإنائي الفارغ ، أنا وهى على وجه البسيطة نقطتين من نظرة طائر ، وأليس الخط المستقيم هو أقرب الطرق إليهما ، وعلى هذا أخذها إلى المأذون وتزوجها "" ! الصعود على سلم الحياة يستدعي أن ترقى درجة وراء أخرى ، لكن الذيهنا قرر من قديم أن يقفز ، أن يكون كالكونغارو ، يقطع المسافات قفزا ، كثيرا ما جادله الذيهناك أن يتمهل ، أن يصعد درجة درجة ، ألا يحرق المراحل ، حتى لا يتعرض لهزات تهده ، فكان يقهقه ويرد ساخرا وهازئا : ياحبيبي الزمن تغير وعلينا أن نكون كذلك ، أتريدني مثلا في زمن الإلكترونيات والفضائيات والساعات الرقمية ، أن أستخدم الساعة الرملية في معرفة الوقت ! كلا وألف كلا ، فنحن في عصر السرعة ، والزمن كالسيف إن لم تقطعه قطعك ، فكيف تنصحني أن أكون في (البيزنس) كما السلحفاة ؟ بل إنصحني إن كنت مخلصا أن أكون أرنبا ينط للأمام ! قال الذيهناك بعد أن بدل الجوال من أذن إلى أذن : إسمع ، دعني أذكرك بقصة السباق الذي حصل بين السلحفاة والأرنب ! قال مسرعا : أعرفها . أجابه : أعلم ، ولهذا قلت لك دعني أذكرك ، فلقد تحدى الأرنب المغرور سلحفاة ، والعجب أن السلحفاة وافقته رغم علمها بقدراته وقدراتها ، وقد باركتهما حيوانات الغابة ، وفي اليوم الموعود ، وقفا في أول المضمار متحفزين وأصوات مشجعيهما تهدر من حولهما ، ولما سمعوا الإشارة إنطلق الأرنب يتقافز كالرهوان ، وبدأت السلحفاة تزحف كالثعبان ، بعد مدة من الزمن توقف الأرنب ونظر خلفه ، فوجد أن السلحفاة لا تكاد تبين من فرط بعدها ، تعجب وقال لنفسه : لماذا لا آخذ قسطا من الراحة تحت ظل هذه الشجرة الوارفة حتى تقترب السلحفاة ، ساعتها أقوم وأفط وأنط وأنهي الباقي ، وبهذا يكون للسباق طعما تنافسيا ، غفى الأرنب وقتا ظن أنه لحظات ، ولما فاق نظر للوراء فلم يجد غريمته ، لكنه حين نظر في الإتجاه الآخر وجدها قريبة جدا من خط النهاية ، إستجمع الأرنب كل قواه وانطلق كالسهم ، لكن قبل أن يصل كانت السلحفاة قد داست خط النهاية ! قال الذي هناك بغضب : لا ياحبيبي ، أنا غير ، لا تغفو عيني أبدا في مضمار السباق ، أنا غير ياحبيبي ! كان يعقب على أقصوصته بهذا المعنى وهو يتحرك خارج بيته ليركب سيارته ، حين فتح باب السيارة كان الآخر يقول له : عموما أنا مؤمن بالمثل الذي يقول "" أكل العنب حبة حبة "" ، فرد عليه وهو يجلس على كرسي السيارة قائلا : وأنا مؤمن بمثل قاله هامورنا "" كل الفطير وطير "" ! ساعة أدار محرك السيارة ، إستوقفه جاره محييا وهو يقترب من شباكه ، مال الجار عليه قائلا : ياخوي ، لقد تعاقدت على مجموعة سيارات أمريكية مستعملة بحالة ممتازة ، ألديك رغبة لشراء إحداها ؟ أجابه ببساطة وهو ينظر إلى عينيه : غلطان ياحبيبي ، السوق شبعان منها ، وهوامير الوكالات سيطروا على سوق المستعمل ، الله يعينك على الخسارة ! فوجئ الجار بما سمع فبهت ، وأصبح ندمان أسفا ، ثم بلا شعور ولول على قروشه التي دفعها ، وأخذ يلعن أم أولاد الحرام الذين دلوه على هذا الطريق ليستثمر تحويشة عمره ! خرج الذيهنا من سيارته وأخذه في حضنه متأثرا وهو يقول : هون عليك ياجاري ، كل عقدة ولها حلال ، كم دفعت في هذه الصفقة ؟ تشبثت أهداب الجار الخائرة ، بثوب الأمل البارق الذي يرتديه محدثه ، فأجاب بصوت كسيح : خمسون ألف ريال دفعتها نظير عشرة سيارات ، والسفينة على وشك الوصول إلى ميناء جدة ! بعد لحظات من التفكير وحك الرأس أجابه : شوف ياجاري ، لغلاوتك عندي سأعطيك أربعين ألف ، بس عاطني المستندات وخل الموضوع على ، سأحاول تصريفها بأقل خسارة ممكنة ! طالعه الجار مندهشا ومتألما ، بعد أن متأملا ، وصاح كأنه يستغيث : ولكني بهذا أكون قد خسرت عش .... ، قاطعه الذيهنا : آسف ياحبيبي، وأسرع يدخل سيارته ، لكن الجار أسرع بالتعلق بباب السيارة قائلا : ياخوي خليك حليم أمال ، إنتظرني دقيقة سأحضر لك المستندات ، والله يعوض علينا ! في نفس الليلة باع الذيهنا مستندات السيارات لصديق يعرفه يملك صالة للسيارات المستعملة بمبلغ سبعون ألف ريال ، وحين إستلم الشيك منه سأله : وماذا ستفعل بهذه النقود ؟ أجاب وهو يطوي الشيك ويضعه في جيبه : سأرد للرجل نقوده ، ثم أدفع بعض المديونات التي على المحلات ! "" إنتظر ، تمهل ، لاتتسرع ، يمكنك أن تربح من هذه النقود قبل أن تردها "" قالها صاحب الوكالة بحماس ، فتجمد صاحبه في مكانه برهة كالتمثال ، وحين لانت أساريره سأل : ماذا تقول ؟! أقول : لماذا لا تستبقي النقود معك لعدة أيام تتربح منها ، ثم تضعها بعد ذلك في الموضع الذي تريده ؟ سأله بلهف : وكيف يحدث هذا ؟! أجابه بدهاء : ضعها في الأسهم ياعزيزي ، فالناس تكبش وتغرف من معين أرباحها الفاحشة ! لمعت عيني الذيهنا ، وتدلت شفتاه ، وسال اللعاب من فمه ، فمال منحنيا على المكتب فتقارب وجهي الذئبان ، وإختلط زفير أنفاسهما ، فعوى الأول في وجه الثاني : وأين هذه الأسهم ؟! "" في البنوك طبعا ، إشبك ، ماانت عايش في البلد ؟! "" هذا ما قاله الثاني له بإستغراب ، ثم أكمل : الناس ياحبيبي أخرجت الفلوس (من تحت البلاطة) ، ومنهم من باع بيته أو سيارته حتى يضاربوا على الأسهم ، ويحصلوا على أرباحها ، تدري ليش ؟ لأن الربح يأتي سهل ووفير ومضمون ؟! إشتعل فتيل الذيهنا فإنطلق صبيحة اليوم التالي وإفتتح محفظة إستثمارية بأحد البنوك ، وبدأ المضاربة على أسهم الشركات ! في البدء كعادة كل بادئ إشترى أسهم الشركات الكبيرة شبه الحكومية لإستقرارها وموثوقيتها ، لكنه إكتشف بعد مدة أن عائدها قليل ! حين رزق بمولوده الذكر الأول طار فرحا ، سماه إسما إشتقه من السعد ، تيمنا بوجهه السعيد عليه ، بعدها أخذ يضيق بأولاد زوجته ، فتعكر جو الأسرة وعرف الشقاق طريقه إليهما ، وصار يثور لأتفه الأسباب ، فخافت زوجته المسكينة على حياتها الزوجية ، فهى لا تريد لزواجها الثاني أن يفشل وتفقد الظل الذي يحميها ، فلما رأت أن زواجها قد وصل إلى تخوم الهاوية ، تنازلت برغبتها عن أمومتها لأولادها اليتم ، وأرسلتهم إلى عمة عجوز تعيش بعيدا فوق جبال الجنوب ! لكن العواصف لم تهدأ ، بل جاءت من صعيد آخر ، ففي يوم فتحت باب البيت لتجد عمتها (أم زوجها) بغيمتها المبرقة المرعدة ، دفعتها الأم بعنف من طريقها ثم إندفعت إلى الداخل وهى تصيح : أين هو ، أين الجبان الرعديد ، أين عديم الإحساس والمسؤولية ؟! كان نائما متلحفا ، فهب مذعورا على صراخ أمه التي وقفت فوق رأسه تهدر وتزبد كسيل العرم الذي يتدفق عبر الوديان : أنت ياالنذل ، ياعديم الرحمة والنخوة ياجبان ، ترقد في فراشك هانئا وتتركنا في براثن الفقر والحرمان ، بطني هذه (وتضرب على بطنها في عنف) خلفتك ، وصحتي فنيت حتى ربتك ، ودموعي في كل مراحلك ماتركتك ، سهر بالليالي ورعاية بالنهار ومدارس ولوازم ومصاريف أهدرت ودعمتك ، ولما إشتد عودك ونبت ريشك طرت عنا وما ترددت ! أبوك المريض سقط في الحمام وإنكسرت ركبته ومحتاج ركبة صناعية ، واخوتك البنات المنكسرات بدأن يخرجن عن طوعي ، البنات تحتاج لبس ومصاريف مثلهن مثل الأخريات ، ماذا أقول لك ياديوس : أختك الوسطانية وجدوها ترقص في شقة أمام الرجال ، والكبيرة هدتها المسؤؤلية بعد أن وهبت نفسها لرعاية الأسرة ، فزهدت في الزواج وفي الحياة وكرهت الحياة ، والناس يقولون لي : أين الولد ، كيف الولد ، ماذا أقول لهم ؟ أستحي أن أقول أن ولدي عديم المسؤولية ومنزوعة من قلبه الرحمة ، أستحي قول هذا ياجبان ، فألا تستحي أنت مما فيه ؟! كان ينظر إليها بعين تشبه عين المشنوق ، عين جافة فاغرة ، تظن أنها فاقرة ، وقسمات وجه بالجفاء عامرة ! بعصبية وضيق صدر قال وهو ينفخ : إهدئي يا أمي أرجوكي ، لا يغركي ما ترينه ، إن ظروفي صعبة وقاسية ، وديوني مضيقة على الخناق ، فلم أجد أى بحبوحة تساعدني على مساعدتكم ، يا أمي ، أرجوكي تعذريني إن قصرت تجاهكم ، غصب عني ، لكن فرج الله قريب ، إصبروا ولن تندموا ، ستفرج بإذن الله وستجديني معكم يدي بيدكم ، كما تحبين أن تريني ! ثم وضع يده تحت مخدته وأخرج حافظته ومنها سحب ورقة خضراء بخمسمئة ريال وناولها إياها وهو يردد : خذي يا أمي هذه مشي حالك بها إلى أن يفرجها الله ! في سرعة فائقة أطاحت يدها يده وهي تصرخ مرتعشة : أتعطيني إحسان ياميت الضمير ياحيوان ، أنا لا أطلب صدقة ، أنا أطلب حقنا الشرعي منك ، شرع "" فإما يبلغن عندك الكبر أحدهما أو كلاهما "" ، ولن نتنازل عنه ، بيننا وبينك القانون والمحاكم الشرعية ، وبهما نأخذ حقنا منك كرها بعد أن كان طوعا ! حين إستدارت لتخرج فوجئت بزوجته تقف وراءها قرب الباب وفي يديها صينية بها أكواب الشاي ، قالت المرأة غير مبالية : لا تخرجي يا عمتي قبل أن نضيفكي ، خرجت كلماتها الباردة بالضيافة ، كأنها بنزين بارد دلق فوق أتون مستعر ، فقفزت الأم نحوها تلطمها وتسبها وتفرغ فيها شحنة غضبها : أنتي السبب ، أنتي التي أسرتيه وسحرتيه وجعلتيه يقسى علينا ويتركنا ، أنتي شيطانة ساحرة ماكرة تضع (قناع) الغلب والمسكنة لتجمل نفسها ! كانت الأم تشتم وتضرب ، والزوجة تصرخ وتهرب ، فلما رأى زوجها الدم يتدفق من رأسها المشجوج ، هب يدفع أمه بعيدا عنها ، فما كان من الأم إلا أن على صراخها وهى تردد : أتدفعني عنها ، و تضربني من أجلها ، وامصيبتاه .. وامصيبتاه ، وهرولت إلى الباب ثم إلى نهر الطريق بدون عباءة ولا طرحة تولول بالصوت الحياني : إنجدوني ياولاد الحلال ، إنقذوني يا مسلمين أنا في عرضكم ياهوه ، ولدي وإمرأته يضربونني ومن بيتهم يطردونني ! كانت صلاة العشاء قد إنتهت منذ مدة في الحي الهادئ ، وبدأت كويكبات من المصلين تتهادى جمعا وفرادا تجاه بيوتهم ، عندما صدح وسط هذا الهدوء صراخ إمرأة تستنجد بالمسلمين ! توقفت حركة المصلين وأخذوا ينظرون تجاه الصوت وتجاه بعضهم في إستفسار صامت ، بعد مدة واصل كثير منهم السير ، ولكن زمرة رأت أن تستطلع الخبر! لما وصلوا إلى مصدر الصوت بادر بعضهم يستعلم بإشفاق : ماذا بكي ياأمنا ؟ أجابتهم المرأة وهى تتشنف : ولدي ، إبن بطني ، ضربني هو وزوجته وطردوني من منزلهم ! أسرع بعضهم بالقول : لا حول ولا قوة إلا بالله ، وبادر أحدهم بخلع عباءته وناولها إياها قائلا بعطف مقرون بإستياء لرؤية حرمة ولو كبيرة في السن بدون عباءة وغطاء رأس خارج البيت : إستري نفسك ياأمي وتعالي معي فالبيت قريب ! في بيته إلتفت حولها النسوة يتساءلن ، حكت وشكت من خلال دموعها عن حال أسرتها وعن جفاء وليدها ، إقترحت النسوة المتعاطفات معها أن تلجأ إلى الشرطة مادام حقها مهضوما ! إنصاع الرجال إلى مطلب الأسرة وإن كان بعضهم قد إقترح الذهاب إلى الأبن لعله يرعوي بالحسنى ، لكن رأى النسوة غلب ! بعد أن ألبسها النسوة عباءة سوداء وغطاء رأس ركبت في سيارة صاحب البيت ورافقته إلى مركز الشرطة ! قامت الشرطة بجلب الإبن الجافي بسيارة من عندهم لسماع أقواله ، حكى ما حدث من وجهة نظرة ، بعد أن حكت أمه من وجهة نظرها ، وبالطبع كان يحدث تداخل بين الطرفين لتصحيح سرد الأحداث ! دونت الأقوال في محضر رسمي ، وحاول كل من حين ومين من المتجمهرين أن يصلحوا بينهما بحكم ومواعظ عن بر الوالدين وعقوق الأبناء ، أريقت خلالها نصوص من الكتاب والسنة تدعم مقالاتهم لعل القلب الجافي يلين ! لكن الإبن كان يردد بلا إنقطاع ، أنه غير جافي لكنه غير مستطاع ! ولما إستيأس ضابط الشرطة من ظهور حل يرضي كل الأطراف ، حلا يرضي أسرة محتاجة وإبن متعسر ، فعل ما يملى عليه القانون ، أعطى الأم رقم وتاريخ المحضر ونصحها أن ترفع دعوة نفقة في المحكمة الشرعية لتأخذ حقها ! حين خرجت الجموع من مركز الشرطة ، حاول الذيهنا هنا أن يأخذ أمه معه إلي البيت ، لكنها رفضت بغضب وإباء وقالت بصوت عال : يحرم على بيتك بعد أن طردتني منه ، وحقي سآخذه منك صاغرا بالقانون ! ثم توجهت للرجل الذي جاء بها ورجته أن يوصلها إلى بيت معارف لها تقضي عندهم الليل ويأخذونها صباحا إلى المحكمة ، أخذها الرجل في سيارته وانطلق وهى تتمتم : حسبي الله ونعم الوكيل ! حين دخل الذيهنا منزله كانت عفاريت الدنيا تتنطنط في وجهه ، فلما رأى زوجته معصبة رأسها سألها بحدة : ماهذا الذي فوق رأسك ؟ قالت الزوجة بأسى : كبست الجرح بالبن لأوقف النزيف وتعصبت عليه! علق عليها بأسف : آه لقد نسيت – ثم أكمل لامبالي- ترى لقد صعدت أمي الموضوع ، بعد أن فضحتنا في الحي ! أمي وأنا أعرفها ، تراها ناوية على الشر وما هتجيبها البر –ثم صاح بنبرة عالية آمرة- إسمعي، سوف نترك هذا الحي ونسكن في مكان آخر لا يعرفنا فيه أحد ، من باكر إجمعي الأشياء الضرورية لننقلها معنا ! تساءلت المرأة بصوت خافت لكن يملؤة الجزع : والبيت ؟! أجاب وهو يتجه إلى غرفة نومه ، سوف نبيعه ونشترى أحسن منه بإذن الله ! تفترت شفتاه عن بسمة ماكرة حين سمع صوتها يأتي طائعا من خلفه : سوي اللي تشوفه يارجلي ! كان الصيف يجر أذياله ، وكان النهار يسحب أستاره ، عندما إصطحب بائع السيارات الذيهنا معه إلى مجلس مقام في إحدى البيوتات لمجموعة من المستثمرين ، على باب المجلس ترك مداسه قبل أن يدخل كعادة أهل البلاد ثم تبع صاحبه ، كان الموجودين خليطا من الشباب والشياب من كافة الأعمار ، يجلسون على أرائك وثيرة أمام شاشة عريضة موصولة بكمبيوتر يعرض قوائم الشركات وأسهمها ، وكان اللون الأخضر الذي يغلب على الشاشة مؤشرا على الصعود ! في صدر المجلس شخص سمين مكتنز اللحم ، ذو بشرة بيضاء لامعة ، وشارب خفيف ، وثوب نظيف ، كانت البسمة لاتفارق شفتاه ، وكان يوزع كلماته على من حوله مع هزات خفيفة من رأسه ، وكان لا يتوقف عن حديثه إلا حين يلتقط جواله ويلقي على شاشته نظرة سريعة بعد أن يسمع رنات الجوال : بيب بيب .. بيب بيب ! دون أن يسأل مال بائع السيارات على أذنه موضحا : هذا هو رجلنا ، المستشارالمالي لنا ، (الهامور) الذي قلت لك عليه ، فهو السبب بعد الله في مكاسبنا وأرباحنا ! كان الذيهنا مطرطقة آذانه لصاحبه ، لكن عيونة كانت مسمرة على الهامور ، تنظر بأسى المحروم إلى حركاته المستمرة ، وإلى فص خاتمه الذي يلمع ، ومسبحته التي يلعب بها بين أصابعه وإنعكاس الأضواء القزحية على حباتها الكهرمانية التي تخطف الأبصار ! بعد الرسالة الثامنة أو العاشرة أو الثانية عشر ، تكلم الهامور بصوت واضح مسموع : ترى ياشباب أسهم شركة (ك ذ ا) في تصاعد قوى مستمر ، عليكم بشراء أكبر كمية ممكنة قبل الإقفال ! ما إن إنتهى إلا وانصرف عدد من الحاضرين بسرعة ، وانهمك بعضا من بقى في الإتصال بجوالاتهم ، تحول الذيهنا إلى صديقه ليسأله : وأنت ماذا ستفعل ؟ أجاب بهدوء : لن أفعل اليوم شيئ ، لقد بعت اليوم كل أسهمي وتركت السيولة في المحفظة بعد أن ربحت 38 ألف ريال ، غدا إنشاء الله سألعب على مجموعة أخرى ! سأله الذيهنا بعد أن إستغرب من هدوئه : ألا تخشي الخسارة ، ألا يتطرق الشك أبدا إلى قلبك ؟! ضحك صديقه بائع السيارات وعلق على قلقه : ياعزيزي لعبة الأسهم تحتاج إلى جرأة ، هى مغامرة أو لنقل مقامرة ، فيها الربح والخسارة مثل أى تجارة ، لكن إطمئن ، سوقنا ولله الحمد مستقرة ، لم تتعرض لأى هزات ، فالبترول كما تعلم ترتفع أسعاره ، والبنوك تكتظ بالسيولة ، وإقتصاد البلد قوي ومتين ، فمن أى شيئ نخشى إذن ! قال الذيهنا بأسف وهو سارحا في البعيد : يظهر أني وضعت نقودي في فريزر، جمدتها في شركات القطاع العام ذات الربح البطيئ البسيط خوفا من الخسارة ، ولن أربح منها إلا الجليد الذي سيتراكم عليها ! أجابه صديقه وهو يهز رأسه ويربت على يده : تمام ياصاحبي ! فجأة إنتفض في مكانه وكأنه ينفض عنه توهانه وسرحانه : من أين تأتيه هذه المعلومات ؟ إقترب صديقه ثانية من أذنه وأخذ يهمس : هامور ياعزيزي ، هامور يعني إنسان واصل وشبعان ، وله معارف في كل مكان ، هو واحدا من سرب كبير من الهوامير تجوب بحار المال والأعمال ، يجزلون العطايا ، ويعلمون الخبايا ، وتندس أناملهم الناعمة في كل الحنايا ، تحرك الركبان والمطايا ، فهمان على ؟! كان يتقلب على فراشه قلقانا ، ينام على اليمين ، ثم على الشمال ، ثم على بطنه ثم يرجع ثانيه إلى ظهره ، طارت فراشات النوم من تحت جفونه وحلقت بعيدا وتركته ساهدا ، كانت تطن في رأسه كلمات صاحبه "" لعبة الأسهم تحتاج جرأة ، هى مغامرة أو مقامرة فيها الربح وفيها الخسارة مثل أى تجارة ! لكن إطمئن ، سوقنا ولله الحمد مستقرة لا تعرف الهزات ، فالبترول أسعاره تتصاعد ، والبنوك تكتظ بالعملات ، وإقتصاد البلد قوي ومتين ، فمن أى شيئ تخشى ؟! "" كلمات ذات عيار ثقيل ووزن فيل ، تدوس أقدامه بعنف على مراكز أعصابه ، فأقلقته وأطارت النوم من جفونه ! خلال بضعة أيام إستطاع أن يلم من هنا ومن هناك مبلغا محترما ، هو قيمة ما كان معه ، ونقود زوجته وثمن البيت الذي باعه ، أودعهم في جميعا بمحفظتة بالبنك وقال منتعشا : أنا الآن مستعد لرحلة الملايين ! من الأمثال الأجنبية التي عرفها من دراسته بإستراليا مثل إنجليزي كان يتردد بكثرة على أفواه الطلاب (Hitch your wagon to a star) أى أشبك عربتك بنجم إن أردت التحلق ، ولهذا فقد عزم على أن يلتصق الهامور ويوطد معرفته به ، ويشبك عربة طموحه بشاحنة إتصالاته ومعلوماته ! قهقه الهامور وهو يررد "" ماشاء الله ، مهندس وتعمل في التجارة والإستثمار"" ! أجابه بهمة طاغية : الحقيقة كنت موظفا في شركة الكهرباء ، لكن للأسف لم أجد طموحي في الوظيفة ، فتركتها وإتجهت للتجارة ! قال الهامور بعيون تلمع : والنعم ياحبيبي ، فقد قالها شوقي من قديم "" شباب قنع لا خير فيهم .. وبورك في الشباب الطامحينا "" ! عقب بلهف : الله ينور عليك ، وقد تشرفت بالإنضمام إلى هذه المجموعة المباركة ، وأنت من بعد الله قائدنا وهادينا ! قال الهامور وهو يلعب بمسبحته : العفو ياحبيبي ، لكن قل لي ، كم وضعت في محفظتك ؟ أجاب وهو يفرك يديه ببعضها : إستطعت جمع مبلغ 600 ألف ريال ، وكنت أتمنى لو جمعت مليون ! قال الهامور وهو ينظر لجواره : لا تقلق ، سوف تصل ، فلا تستمع لكلام من يقول أن المليون الأول هو الأصعب ، في مهنتنا هذه فالمليون الأول هو الأسهل ، كن مطمئن ! أسرع مسرورا : الله يطمئن قلبك ياكبيرنا ! سأله الهامور مرة أخرى : قل لي ياالذي : ماهو هواك ؟ مندهشا : ماذا تقصد ، آسف ، لم أفهمك ! الهامور موضحا : أقصد هل أنت إسلامي متشدد ، أم منفتح ؟ أجابه بصراحة : لا أنا متشدد ولا منفتح ، أنا إنسان عادي وسطي ، لكن لما هذا السؤال ؟ الهامور موضحا أكثر : لأن البعض ياعزيزي قد قسم الشركات إلى ثلاثة قوائم ، شركات شبه حكومية ، وشركات نقية ، وشركات منسية ! فالذي يحب الربح البسيط على المدى البعيد يمكنه أن يتعامل مع الشركات المسنودة ذات المصاريف البيروقراطية العالية ، والذي يبغى الحلال ، كما يقولون ، فعليه بالشركات النقية لبعدها عن الربا في تعاملاتها ، وربحها أيضا مقيد ، أما من يريد الربح السريع ، لكنه ذي مخاطر ، فعليه بالمنسية ، لأنها شركات صاعدة بقوة في سوق المال وخاصة بعد إنضمام البلد إلى منظمة التجارة العالمية ! قال الذيهنا : معك كل الحق ، فقد جربت الشركات المدعومة ومليت من نمو أسهمها ، تماما كما مليت من نمو تجارتي البطيئ ، بصراحة أنا أريد الكسب السريع حتى ولو كان ذو مخاطرة ! طوح الهامور مسبحته مبتهجا وقال : خلاص ياحبيبي ، خلاص فهمت ! ثم كأنه تذكر ، إذ نظر فجأة إلى ساعة معصمه الذهبية وهب واقفا ، لملم أغراضه بسرعة وإتجه إلى باب المجلس ، لكنه توقف برهة وإتجه بصوته إلى العيون التي كانت تتابع حركاته : إعذروني يا إخوان ، عندي موعد مهم لابد أن أحضره ، وبعد برهة أضاف ، وقبل أن أنسى، عليكم بمتابعة أسهم شركة (زرا) في إفتتاح الغد ، سوف ترون أن سهمها سيبدأ من 250 ريال ، وسيستمر في الصعود حتى ينتهي عند الإقفال بأعلى من 700 ! ثم أضاف بثقة : من يريد الربح فعليه أن يشتري أكبر كمية وقبل الإقفال يبيع ويربح ، سلام ! إنتظر الذيهنا طلوع الصبح بصبر نافذ ، كان أول الموجودون بالبنك ، ساعة بدأ الشاشات ، رأى الخبر صحيحا ، إنتظر قليلا ليتأكد ، إقترب المؤشر من 300 ريال للسهم ، حول كل سيولته بقلب جريئ ودم بارد إلى ألفي سهم ، ومع نهاية أطول يوم في حياته باع أسهمه عند 700 ريال ، كاد أن يطير فرحا ، بل كاد أن يغمى عليه من شدة الفرح ، إذ شاهد بأم عينه أن سيولة محفظته ، إرتفعت إلى مليون وربعمائة ألف ريال بالتمام والكمال ! المضاربة بالأسهم وأرباحها الشهية ، أصبحت كالمنخفض الجوي ، الذي يجتذب الرياح الخارجية ، فقد تجمعت وتحولت كل طموحات الذيهنا للثراء السريع في إتجاه المضاربة عليها ، خاصة بعد أن ذاق عسيلتها ! فبعد أن ذاق حلاوتها إنقشعت وإختفت كل مخاوفه ، وكل ما كان يتحلى به من حكمة أو حذر أو خشية ! فقد إنصاع بكل جوارحه لتعليمات الهامور ، التي كانوا يسمونها مجازا (إستشارات مجانية) ، ربح من هذه الإستشارات ، وكلما ربح إزدادت شهيته وعظمت جرأته ، ولما رآه الهامور في هذه الحالة ، إقترح عليه أن يستفيد من التسهيلات البنكية التي تمنح لأصحاب المحافظ الواعدة ، قال له : إرفع محفظتك يا الذي ، خذ سلفة مليون من البنك بدون فوائد وضمها إلى رصيدك ، فالبنك يأخذ عمولة بسيطة تافهة على عمليات البيع والشراء ، خذ .. وضم .. وضارب .. واربح ، ثم إنطلق في موجة قهقهات متقطعة ، تشبه نفثات مرجل قطار الشرق السريع ! قالت الأم بأسى شديد لبناتها الثلاثة : وبعدين يابنات ، صاحب البيت قابلني عدة مرات ، كل مرة يلح بؤجرة الشقة التي صارت مكسورة علينا ستة أشهر ! الرجل من لهجته قد نفذ صبره ، وبالعربي الفصيح فإنني أخشى بعد أن هددني بالشرطة أن يطردنا إلى الشارع ! نطقت المدرسة بقرف : سبحانك ربي ، أليس لهذا الغم من آخر ؟ ردت الوسطانية عليها : وهل الغم سيجد أسرة (سعيدة) أحسن منا لينسج خيوطه اللزجة عليها ؟ أما الصغيرة فكانت تتابعهم بلا تعليق ، أما من علقت فهى أمهم التي صاحت بغلظة : مالكم قلبتم عاليها سافلها ، فكروا معي في حل أمال ؟! سادت لحظة وجوم على الجميع ، قطعته المدرسة بقولها : والله ياأمي لقد هلكتني الديون ، ياليتك تتصلين بأخينا وتشرحين له الظروف مع كلمتين ناعمتين لعل قلبه يرق ويلين ! أجابت الأم بيأس : وكيف يحدث هذا والنذل لا يرد على المكالمات ، ألظاهر إنه غير شرائح جوالاته هربا منا ، وقد مررت أكثر من مرة على محلاته ، دون جدوى ، حتى موظيفه الهنود لا يعلمون مكانه ، أو هو منبها عليهم بذلك ، لكني أرجح الأول لأنه واضح من كلامهم أنهم موروطون ورطة شديدة ويبحثون عنه مثلنا ، عموما أنسوا هذا وإبحثوا لنا عن حل آخر ! قالت الوسطانية : إنتظري ياأمي دقيقة ، سوف أكلم إحدى صحيباتي عندها من الخير الكثير ، وهناك أمل أن تعطيني سلفة نردها لها حين تفرج بإذن الله ، ثم سحبت التليفون الموضوع على الأرض من سلكه وإتصلت ، بعد عدة كلمات أغلبها مشفرة ، ردت السماعة ورفعت اليهن وجها مبتسما وقالت : فرجت ، البنت رحبت وطلبت مني الحضور بعد العشاء لتعطيني ما أريده ! لكن الأم نظرت إليها بتمعن والشك يلف ويدور في عقلها ، فلم تنس حادثة إخراجها من بيت مشبوه من قبل ، فقالت لها غاضبة : لا لا لن تخرجي ! ، لكن المدرسة راجعت أمها قائلة : لماذا ياأمي ، طلبت منا الحل وها قد جاء ، فلماذا العناد ؟! أشاحت الأم بوجهها بعيدا وهى تقول : أختك هذه لم أعد أثق بها ! قالت الوسطانية بإصرار : لا ياأمي ، ثقي بي هذه المرة ، وعلى العموم سآخذ أختي الصغيرة معي حتى تطمئني ! ردت المدرسة موافقة : حل معقول ، شرط ألا تغيبون علينا واجد ، فقط مسافة الطريق ! صاح الذيهناك في جواله : فينك ياعزيزي ، ماعدت أشوفك ، إيشفيك إختفيت ؟! ، فأجابه الذيهنا بتململ واضح : ياأخي مشغول والله ، إعذرني ! ، رد صاحبه مخلصا : الله يكون في العون ، لكن لا تنسى أحبابك ياخوي ! "" ماني ناسي أحد ، لكن المضاربة آخذة كل وقتي وجهدي ، إسمع ياحبيبي ، شيئ ، شيئ ، والله شيئ يهبل العقل "" ! سأله صاحبه متشوقا : أشوا ، يعني أرنب ؟! "" طبعا أرنب ، وياليته أرنبا واحدا ، بل صار أربعة أرانب وفخذين ، وقريبا جدا نكمل الخامس "" ! قال صديقه يحذره : إنتبه ياعزيزي ، لا تضع كل بيضك في سلة واحدة ، ترى السوق ما هو مضمون ! "" لا توصي حريص ياعزيزي ، كل شيئ عال ، والناس إيش أقولك ، الناس بتغرف الأموال غرفا وكأنهم عثروا على مغارة علي بابا "" ! قال صديقه متخوفا : هذا ما أخشاه ، طمع الدنيا ، فالطموح شيئ مسموح ، لكن الطمع يؤدي للجشع ، والجشع يؤدي للمهالك والعياذ بالله ! "" ياخوي شبعنا حكم ومواعظ ، الأحسن أن ندع الملك للمالك ، والحين إعذرني لأني وصلت أمام المجلس ، وعندي مقابلة هامة مع الهامور يحفظه الله "" ! قال صديقه مستسلما : طيب طيب ، في أمان الله ، سوف أتصل عليك في وقت لاحق ! كان الجميع في المجلس في فرح غامر ، يتهامسون ويتصايحون ويضحكون ، كأنهم فريق كرة قدم فاز بالدوري والكأس دفعة واحدة وفي موسم واحد ! في خضم هذا الهرج سأل الهامور شابا يجلس قبالته بصوت واضح : أتعرف تيمة هيئة السياحة التي تعرض بالصحف وعلى التليفزيونات ؟ أجابه الشاب : لا والله ما عندي فكرة ، لكن صوتا إرتفع من بعيد صائحا ( خميس وجمعة ، إكسبوها لا تفوتوها ) ! أشار الهامور بمسبحته تجاه الصوت وأخذ يقهقه قهقهاته المتقطعة : عفارم عليك ، هذا هو مايردده الممثل يوسف الجراح للناس في هذه الدعاية ، ثم أكمل ، والله ياشباب يتهيأ لي أحيانا أنه يقصدنا نحن بالذات ! ، ألا ترون ذلك معي ؟ قالوا : نعم وهم يهمهمون ويضحكون ! لكن صوت الهامور علا ثانية قائلا : ياشباب السيولة كبيرة في السوق الآن ، لذا فإنه يتوجب علينا أن نركز عملياتنا بين مجموعة مختارة من الشركات ، خذوا مثلا شركة (م د ا) وشركة (د ر ا) وشركة (ك و ا) شركات واعدة ومن ناحية الإستثمار فإن المضارب الفطن عليه أن يتنزه بين أسهم هذه الشركات ، لأنه لو بقيت على شركة واحدة وخسرت ، فإنك ستكون كمن قبض على جمرة خبيثة تلسعه وغير قادر على قذفها بعيدا عن يده ! صادف كلام الهامور هوى نفس الذيهنا ، خاصة أنه ذكره بقول صديقه حين كان يحاوره : ياعزيزي "" لا تضع بيضك كله في سلة واحدة "" فإنتفض صائحا بصوت جهوري : هذا والله هو الحق المبين ! بعد أن أخلى الغرفة ممن كان داخلها ، قال موجها كلامه إلى الأم الملتاعة وإبنتها الجزعة : كيف ياأمي تتركين بنتيكي يتواجدن في بيت سيئ السمعة ومشبوه ، فالبيت كان مراقب ، والمرأة صاحبة البيت زبونة مستديمة عندنا ومعروف عنها أنها (جرارة) ، والحمدلله إننا بإستجواب البنتين علمنا أنه غرر بهما ، لكن .. أين أبوهما وأين إخوانهما ، أجيبي يا أمي ، من الممسك بزمام هذه الأسرة ؟! كانت الأم وإبنتها المدرسة تسمعان في ذهول ، لم ينقطع لا هلعهما ولا دموعهما منذ لحظة إستقدامهما بعد منتصف الليل بواسطة الشرطة ، أجابت الأم المذهولة وهى تنهنه وتتهته على تساؤل الضابط الشاب الذي تبدو عليه مظاهر الأدب والكياسة والرحمة واضحة : والله ياولدي حالنا لا يسر عدوا ولا حبيبا ، فالأب عجوز مريض راقد بالمستشفى مكسور الركبتين ، في إنتظار أطراف صناعية بالألاف نأتي بها ولا أدري من أين ، والولد الوحيد شاردا عنا وعاق بنا ، رغم أن الله ميسرها عليه ، وإيجار البيت مكسور علينا من عدة شهور ، والبنات كبرن وقاعدات بالبيت ، ماعدا الجالسة بجواري هذه ، فهى تعمل مدرسة والحمل كله ملقى عليها ! يا ولدي البنتين خرجتا لتتسلف من إحدى صويحباتها التي لا نعرفها ، وقسما بالله ما كنا ندري ماكان مخبئا لنا ، فنحن ياولدي الله يسترعلى ولاياك ، أسرة فقيرة ومعاقة ، لا نملك شيئا من حطام هذه الدنيا غير شرفنا ، فكيف نرسل إلى مكان مثل ماتقول بناتنا ؟! كانت نظرات العطف والرثاء تطل من عين الضابط وهو يسمع ، وحين إنتهت دق جرس مكتبه فدخل الشرطي الواقف على بابه ، قال له آمرا : أحضر لنا البنتين ! دخلت البنتان الغرفة وإرتمين على حجر أمهن باكيات ، لكن الأم كانت جامدة متماسكة مثل الصنم الأصم وكانت عينيها معلقة على الضابط ، أشار الضابط إليها بضجر قائلا : خذي ياأمي إبنتيكي وإرحلي ، ولا تنسي مراقبتهما حتى لا يتورطا مرة أخرى ، ثم وجه حديثه للشرطي : قل لسيارة الدورية توصل النسوة إلى باب منزلهن ! فور دخولهن البيت إنقلبت الأم من حالة السكون إلى حالة إنفعالية هائجة ، صارت كثور المصارعة حين يرى الوشاح الأحمر فيهيجه ، إنهالت عليهما بالتوبيخ والشتم وحتى باللطم ، كانت كلماتها تتدافع من فوهة فمها كمدفع سريع الطلقات ، وكانت البنتين من صياحها ولطماتها وجذب شعورهما يولولان ويستنجدان بالكبرى ، حاولت الأخت الكبرى المدرسة أن تحول بينهما وبين الأم صارخة : كفاكي ياأمي الله يهاديكي وبلاش فضايح في إنصاص الليالي ! ، لكن الأم المأزومة عالجتها هى الأخرى بلطمة شديدة على وجهها ، مما جعلها تجفل وتقفز بعيدا إلى خارج الغرفة تاركة أرض المعركة لمن فيها ! في مطبخ البيت الضيق المزدحم بالأغراض ، تلاقت أعاصيرالزمان التي كانت تزوبع داخلها ، مع السهام التي تنهمر عليها من خارجها ، فأحست فجأة بزوال مناعتها المكتسبة ضد غدر الأيام ، أحست أنها أصبحت هشة ، منهارة ومحطمة ، أحست أنها قد فقدت ماكان في داخلها من بريق ، فلم تسعفها أنوار العالم المتلألئة في جنباته ، من إقتباس قبس يجدد ضيائها ، فإنطفأ سراجها ! اليأس والقنوط دفعاها إلى حافة الجنون ، فمدت يدا مرتعشة إلى الفانوس الصغير(المسرجة) وسكبت وقوده عليها ! حين شب الحريق وبدأت آلامه هرولت إليهن وهى تصرخ وتولول وتستغيث ، كانت النار التي أشعلتها في لحظة وهن ، قد بدأت تأكلها ، أكلت النار بشررها الملتهب (الهشيم) اليابس للبنت ! إستعرت النار ولعلعت ، وإنتشرت وأحرقت ، ما بقي من أحلام الغريق "" فإذا الدنيا كما نعرفها ، وإذا الفجر مطل كالحريق "" ! دفع الذيهنا باب مكتب بائع السيارات بقوة وإندفع قفزا داخل مكتبه ، مكث مدة واقفا يلهث قبالته من شدة إنفعاله ، كانت ملامحه لا تخفي الهلع الممسك بتلافيفه ، حين إلتقط أنفاسه سأل صاحبة بصوت متحشرج : ماهذا ، ما الذي يحدث ؟! "" علمي علمك ، أنا مثلك لست أدري "" أجابه بصدق وبنبرات حزينة ! جذب الذيهنا مقعدا وجلس عليه ، أخذ يفكك أزرار ياقة ثوبه ، ثم بيديه أخذ يحرك أطراف شماغة وكانهما جناحي طائر ، كان يطرد الصعيد الحار من جنبات وجهه لتحل محلها نسمات الهواء الباردة الآتية من المكيف المعلق فوق رأسيهما ، تساءل ثانية وهو مازال يرفرف : أسهمنا ياعزيزي (نازلة ترف) ، هل لديك تفسير لذلك ؟ "" والله لا أدري ، فكما أعرف أحيانا تهبط ، ثم تعود إلى الصعود ، لكن هذه المرة أراها تهوي ، على العموم إنتظر حتى العصر ، حتى نقابل الهامور ونسأله ، فهو الخبير وأكيد عنده الإيضاح والتفسير ! كان الهامور مبتسما كعادته ويلفلف مسبحته بإصابعه ، غير مبالى بالوجوه الكالحة الغاضبة التي تحوطه ، لكنه حين كثرت التساؤلات الجزعة حوله إضطر للقول : ياجماعة إطمئنوا ، أرجوكم لا تجزعوا ، هذه ظواهر طبيعية في سوق الأسهم ، وهى ظواهر وقتية ، فقاعات يعني ، فالذي حدث أن بعض اللاعبين الكبار نزلوا إلى السوق ، فأنتم تعلمون أن بعض الشركات الكبيرة في قطاعات عدة مثل ، البنوك..الإتصالات.. البتروكيمويات.. العقارات وغيرها ، حتي تتخلص من مشاكلها إضطرت لطرح بعض أسهمها ، بغرض مص السيولة المتوفرة لدى الناس حتى تتمكن من حل مشاكلها ، وهذا ما جعل السوق يتخلخل قليلا ! نزولهم للسوق ياإخوان لن يحل أبدا مشاكلهم ، فالحل معروف لكل من يعمل بالإقتصاد ، الحل يكمن في ترشيد الإنفاق والتخلص من العمالة المترهلة الغير منتجة ، ولهذا قلت لكم أنها ظواهر موقوتة ، لأنه لا يصح إلا الصحيح ، فسوف يعود السوق إلى سابق عهده ، وترتفع أسهم الشركات الواعدة ، ويعم ثانية الربح والخيرعلى المضاربين! إستطاعت تأويلات الهامور الإقتصادية أن تفعل فعل السحر على الموجودين ، فقد تمكن بمهارة الخبير أن يغلف مر الخسارة التي تجرعوها بغلالة حلوة وملونة ، مثل ما تفعل شركات الأدوية حين تغلف مرارة حبات الدواء بطبقة سكاكر حتى يسهل بلعها ! تسلفت الأم مرة أخرى من جيرانها حتى تتمكن من الذهاب إلى البلدة البعيدة ، كانت ذاهبة إلى الموعد الثاني لجلسة الحكم بالمحكمة الشرعية المقامة ضد إبنها ! حين أتى دورها قال لها الشيخ القاضي : هذه هى الجلسة الثانية لكم ، لكن إبنك (الخصم) لم يحضر رغم إستدعائه بواسطة الشرطة ! سألته الأم بجزع : وما العمل إذا ياشيخ ؟! أجاب بعجلة وهو يفر الأوراق ويهم بالكتابة : سوف أؤجلها مرة أخرى وليكن شهرين ! جزعت الأم وصاحت "" هه ، شهرين آخرين ، مومعقول ، وكيف نعيش وليس عندنا آية موارد ، ياشيخ الله يطول لنا في عمرك ، أحكم وراعي ظروفنا ! ، نظر إليها الشيخ مليا ثم قال : ياأمي أعرف ظروفكم جيدا من خلال المستندات التي أمامي ، لكن .. من الواجب سماع أقوال الأبن الغائب ، ألحت الأم عليه وهى تبكي : ياشيخنا كنا معتمدين على الله ، ثم على البنت المدرسة ، لكنها ياحبة عيني ناءت بحملنا فتصدعت وإنهارت ، مثل أى مبنى يحمل فوق طاقته ، البنت المسكينة فقدت عقلها وأحرقت نفسها ! قاطعها الشيخ بضيق : أعوذ بالله ، لكنها إستمرت : وهذه شهادة من المستشفى تثبت أقوالي ، ثم أخذت تنتحب بحرقة بالغة ! قال الشيخ بتأثر واضح : تماسكي ياأمي ، إصبري واحتسبي ، سوف أحكم لكم بنفقة شهرية ألفي ريال وتغريمه إيجار البيت ، هيا ، قومي وإنتظري بالخارج إلى أن يعطيكي الكاتب صورة الحكم ! بعد ساعتين من الإنتظار ، تسلمت صورة الحكم وقيل لها توجهي إلى قسم الشرطة ليقوموا بإجراءات النفاذ ! في قسم الشرطة علمت أنهم لا يعلمون لإبنها عنوانا ، فقد ذهبوا للعنوان المدون عندهم ، فوجدوا أنه باع البيت ورحل ! بل أنهم أرسلوا إلى قسم الشرطة التابع لها محلاته بالمدينة الأخرى، فكان ردهم أن عماله أيضا لا يعرفون محل إقامته ، لكنهم طلبوا منها ترك صورة الحكم لمداومة البحث عنه لتنفيذ حكم القاضي ! صاحت الأم بصرخات مكتومة : ياناس ، يامسلمين ، أسرتي بلا موارد ومهددون بالطرد إلى الشارع ، فدلوني بالله كيف نعيش ؟! قال بعضهم بتأثر : توجهي ياأمي إلى الشئون الإجتماعية ، فهناك سيبحثون حالتكم ويصرفون لكم مايعينكم على الحياة ! سألت وهى تتشنف : الشئون ، وهل بحثهم سيأخذ وقتا ؟ قال الشرطي بعجب : كل شيئ ياأمي لابد له من إجراءات ! ذهبت الأم للشئون الإجتماعية كما نصحوها ، فطلبوا منها التوجه إلى مبنى المحافظة لتحضر بعض الأوراق المعتمدة ! ذهبت إلى المحافظة فحولوها إلى إدارة الأحوال المدنية ، ذهبت إلى الأحوال المدنية فحولتها إلى الإمارة ، وفي الإمارة همس في أذنها من تأثر بقصتها أن تتوجه إلى الجمعية الخيرية ، خرجت الأم من هذه الدوامة الجهنمية التي أداختها ، شبه محطمة ، كان بصيص نور عينيها قد بدأ يتراقص كما الشمعة قبل الإنطفاء ، كانت بالكاد ترى الطريق ، لأنها فقدت بوصلتها ، وضل مداسها البالي خارطة الطريق ، سارت تتخبط وتتعثر في خطواتها كالظمآن في البيداء يجري وراء سراب الماء ، كانت كل المآسي والحوادث والكوارث التي مرت بها والتي كانت تكتمها في صدرها قد أوشكت على الإنفجار ، بل لقد إنفجرت على هيئة ترنيمة حزينة عجيبة صارت ترددها بصوت عال : ياولدي يا ابن بطني أمك تناديك وراك ما تسمع شكايا وندايا تذكر حياتي يوم أشيلك وأداريك وألاعبك دايم وتمشي ورايا ياما عطيتك من حناني وبعطيك تكبر وتكبر ، بالأمل ياسنايا وإن مرضت كنت بدموعي بشفيك ويوم تخف يكون سعادتي وهنايا وإن طلبت احرم من نفسي وأديك كل ما أملك من هدايا أو عطايا لكن خسارة ، بعتني اليوم وشفيك أخلصت للزوجة وتركتني لشقايا .. .. كان الناس ، سواء من يتبعونها مشفقين ، أو من يتوقفون على أجناب الطريق مندهشين ، أو ممن يخرجون من المحلات ويرونها ثم يمرون بها متأثرين ، كان كل هؤلاء يعلقون قائلين : لا حول ولا قوة إلا بالله ! إستمرت بورصة الأسهم في تذبذب لمدة طويلة ، ورغم هذا فقد حقق كثير من الناس أرباحا معقولة ، إلا أنه مع بداية العام أخذت تهبط هبوطا حادا غير مسبوق ، حاول المضاربون تفادي الخسارة بالتنزه من سهم لآخر على أمل الإنتعاش ، لكن محاولاتهم جاءت دون جدوى ، كان التدني قد أصبح كالوباء إنتقل بالعدوى من سهم إلى آخر حتى أصاب الأسهم جميعها ، كانت الشاشات الحمراء قد أصابت المضاربون بالهلع ، فأرادوا سحب أموالهم ، لكن وصول الأسهم إلى مؤشر متدني حال دون ذلك ، فالكل يريد أن يبيع أسهمه ويحولها إلى سيولة ، لكن أين المشتري الذي يجازف بالشراء وهو يرى الخسارة ؟! وزاد الطين بلة أن البنوك التي أعطت متداوليها سلفيات ، سحبت سلفتها عند تدني الخسارة وتخلت عن عملائها الكرام ! من نافلة القول إنه ماكان هناك داع لهذه الخسائر المرعبة في سوق واعد يعتمد على إقتصاد قوي متين للدولة ، لكن الأنامل الآثمة الخفية لمجموعة من الصقور أو الدبابير أو الهوامير، كانت تريد القنص، والقنص رياضة شعبية محببة وشائعة بالخليج ، فزينت لفرائسها إطلال رأسها من الكوات التي تختبئ بها ، وحين حدث هذا ، مارست هواية القنص بلا هوادة ! في خضم هذه الخسارة الفادحة ، سمعت حكايات وحكايات ، إنتحار ، ذبحات صدرية ، طلاق ، بيع ممتلكات بأبخس الأثمان ، لكن الذيهنا أصيب فقط بصدمة وذهول وإعتكف ببيته نادما وباكيا ! بعد حوالي شهر إفتقده صديقه الوفي الذيهناك فقرر زيارته ! فتحت زوجته الحزينة الباب وكان واضحا عليها الإرتباك ، سألها الذيهناك بلهف : أين هو ؟ أجابت وعينها الذابلة موجهه للأرض : راقد في غرفة النوم ، لايغادرها إلا إلى الحمام ، ثم يعود لرقاده مرة أخرى صامتا صمت القبور ! سألها بعزم وثبات : هل تسمحين لي بالدخول ! تنحت جانبا وقالت بإستسلام : تفضل ! نقر الذيهناك بيده نقرات خفيفة على الباب ، ثم أدار مقبضه ودخل ، حين رآه الراقد على السرير إغرورقت عيناه ، ثم أدار وجهه إلى الحائط ، كانت الغرفة شبه مظلمة ، وكانت الأشياء فيها مبعثرة ، وكانت رائحة الأجساد العفنة تفوح منها لإفتقارها إلى الشديد للتهوية، فالشباك والباب مقفولين ، والمكيف متوقف ، ولا يوجد أى متنفس لتغيير الهواء الفاسد ! تقدم الصديق إلى صاحبه ، ولما كان الكرسي الوحيد مكومة عليه الملابس ، فقد آثر أن يجلس على حافة السرير ! بعد مدة حرك يده ببطئ إلى أن قبض على يد صديقه ، ثم قال بصوت خفيض : علمت بما حدث ، فعز على أن أتركك وحدك ، فجئت إليك لأقف بجوارك وأشاطرك أحزانك ! لم يرد ، لكنه تشنج ثم بكي ثم إنتحب بصوت مسموع ، فقال له صديقه متأثرا لتهدأته: هون عليك ياصاحبي ، تمالك نفسك أرجوك ، أعلم أن البلوى عليك عظيمة ، ولكن عزيمة الرجال أعظم ، وعهدي بك أن عزيمتك قوية ولا تفل ، أليس كذلك ؟ إستمر صاحبه في بكاء يقطع النياط ، وما يصاحبه من الدموع والمخاط ، فكان ينظر إليه ويتألم من حرقته في العياط ! لجأ صاحبه لتجربة طريقة صعبة وقاسية ليخرجه من حالة اليأس والقنوط التي رآه فيها ، فجذبه بعنف ، أخذ يرجه رجا وهو يصيح في وجهه "" أتبكي ، أتبكي كالنساء ، على ملك لم تحافظ عليه كالرجال ! "" إبكي إبكي إبكي ، فياليت من بكى قبلك أعاد للمسلمين بلاد الأندلس ، إسمع ياصديقي ، اللهم لا شماتة وأنت تعلم ذلك عني ، لقد فعلت معك ما يفعله أى صديق مخلص لصديقه ، طلبت منك التمهل والحذر ، ورجوتك أن تبعد عن رفاق السوء ، لكن ياعزيزي ، كان طموحك هادرا ، وكان شيطانك غادرا ، كان يزين لك المرابح فأغواك بالغاوية ، في الوقت الذي كان فيه يدفك دفا نحو الهاوية ! نجحت الكلمات الجارحة لصديقه في إستفزازه وإخراجه عن صمته فنطق بحرقة : نعم نعم ، أغواني وأعماني ، علم اللعين نقطة ضعفي ، علم بطموحي الذي كنت أستره ، علم ببغضي للفقر والفاقة ، وعلم بإستعدادي للتضحية بأى شيئ في سبيل الثراء ، كنت أحقد على والدي لأنه كان مقتدرا فضيع نفسه وضيعنا ، كرهت أن أكون مثله ، حاولت تغيير مسار حياتي حتى أسعد من يأتون بعدي ، لكن طموحي طمسه طمعي وجشعي ! ياللأسف ، جاءتني الملايين ولكن لم أكتفي ، حين كانت هذه الملايين تنمو وتحبو وتقف وتسير وتجري أمام عيناى كنت أراقبها بسعادة من يراقب وليده وهو ينمو ، كانت النشوة تسكرني ، وكانت الآمال والأحلام تتراقص أمام ناظري كما تتراقص حور الجنة أمام الفائزين بها ! كنت قد وصلت للجنة ، لم أفكر كيف وصلت ، وأى طريق سلكت ، أعماني الشيطان وأغواني كما أغوى جدنا الأول ، حين همس في أذني "" هل أدلك على شجرة الخلد وملك لا يبلى ! "" تبعته مهرولا وعصيت ربي ، وحين إنجلت معصيتي وإنكشفت سوءتي ، صرت أخصف عليها من ورق الجنة ، ولكن الأمر الإلهي كان قد صدر ، فأخرجت منها لعصياني ، هبطت إلى أديم الأرض وإلى ترابها الذي خلقت منه ! ياصديقي وأخي وحبيبي ، لا تلومني إن بكيت كما تبكي النساء ، فأنا أبكي فعلا على ملك فرطت به ولم أصنه كالرجال ، فقدت ما أملكه ، ولم يعد عندي إلا دموعي ، فلماذا لا أسفحها على حالي ؟ .. أخذ يبكي ويمخط نفسة مدة قبل أن يكمل آسفا : أضعت أشياءا كثيرة ، مالي ، ومال زوجتي وأولادها اليتامى ، أضعت محلاتي بعد أن أهملتها واستولى عليها دائنيها ، أضعت أسرتي المحتاجة الى مؤازرتي ، وأهملت أبا مريضا عاجزا وأم عجوزا وبنات عانسات ، وقبل هذا وذاك أضعت نفسي ، بعتها بلا ثمن لشيطان رجيم ! ثم إنطلق ثانية في نوبة بكائه التي تقطع النياط ! "" قم "" لفظها صديقة بعنف وقسوة ، آمرا إياه بالوقوف ، فلما وجده ينظر إليه مندهشا ، لانت لهجته وأكمل : قم غير ملابسك حتى نخرج ! سأله بوهن : نخرج ، نخرج إلى أين ؟! قال : نخرج من هذا المكان الكئيب ، نخرج من السجن ، لابد أن نخرج من هنا ، أيعجبك جلوسك بهذه الطريقة شهرا كاملا ، وماذا بعد ، لابد أن نخرج ياعزيزي ، فالتغيير ضروري بالنسبة لك ، دعنا نذهب إلى مكان مبهج ونبعد عن هذا المكان المحبط ! أجاب : لالا ، صدقني ماعندي مزاج ولا رغبة في الخروج ! قال بحدة : ياصاحبي هذا أمر ، سنذهب عندي ، ففي مجلسي يجتمع مجموعة شباب ظرفاء ، أغلبهم عاطل عن العمل لعدم وجود وظائف ، وقليل يعمل في وظائف هامشية ، لكنهم في مجموعهم سعداء ، لأن آمالهم بسيطة ورغباتهم محدودة ، هيا ، هيا قم غير ملابسك ودعنا نذهب من هنا ! حين دخلا المجلس الصاخب ألقيا السلام ، فجاءهما الرد زاعقا من بعض الرفاق الجالسون على أرضه ! فالذيهناك شابا عازبا يسكن في الدور الأرضي بإحدى العمائر الحديثة ، وهذا المجلس هو غرفة المعيشة بشقته البسيطة ، وهذه الغرفة هى موئل أصدقائه ومنتدى لسهراتهم ! كانت هناك شلة تتوسط المجلس ومنهمكون في لعب ورق الكوتشينة في لعبة البلوت الشعبية وأمامهم تلفزيون يعرض أغنية راقصة لمغنية لبنانية ، كانوا بين لحظة وأخرى يختلسون نظرات شبقة للمغنية وللصبايا الراقصات حولها ، ثم يعودون بآهات وحسرات إلى أرض اللعب ! ، وكان هناك مجموعتان من الشباب يدردشون مع بعضهما وهم متئكين على مساند وحشايا ويدخنون الشيشة(النارجيلة) ، وكان يخدم من بالمجلس رجل كبير في السن ذي عين جاحظة ولحية محناه وعمامة معقوفة فوق رأسه على الطريقة الحجازية ! كان المجلس صاخبا في كل شيئ ، في صوت الغناء ، وصياح اللاعبين ، وجدال البعيدين ، وحتى في الدخان الكثيف الذي يتصاعد من السجائر ومن الشيشتين ! فجأة نادي الذيهناك بصوت مرتفع : ياشيبة ! قام الرجل العجوز من جوار اللاعبين وجاء مهرولا بالبراد وصينية الأكواب ، وضع الصينية على الأرض ثم أخذ يصب الشاى من البراد ثم ناول كلا منهما بيالته (كأسا صغيرة زجاجية لها يد) ، أثناء ماكانا يرشفان الشاى المنعنع كان العجوز ينظر بتفحص وإهتمام للضيف ! حين إنتهيا سارع بصب الشاى مرة أخرى في البيالات الفارغة ، فلما سمع نداء أحد اللاعبين : ياشيبة ، تركهما وهرع ناحية النداء ! قام الذيهناك بتعريف الموجودين بالمجلس لصاحبه : شلة البلوت هذه ياعزيزي ، كلهم عاطلين عن العمل مع أنهم حاصلون على الثانوية ، وشلة الشيشة المجاورون لنا يعملون ، الأول موظف إستقبال بأحد المستوصفات ، والثاني سائق تاكسي ، والثالث معقب بأحد الشركات الأهلية ، أما الشلة المقابلة فجميعهم يبيع الخضار بالسوق ، وسوف تندهش لماذا هم هنا ؟ لأنهم قد وظفوا من الباطن بعض البنغاليين ، أما هذا المتأنق وسطهم ، فإنه يعمل سكرتيرا بمكتب محامي ! أما الشيبة الداهية ، ثم ضحك ، فهو رجل طيب يعول أسرة ، وهو يخدمنا كل مساء ، ونعطيه اللي فيه النصيب كل أول شهر ! علا صوت أحد اللاعبين فوق كل الأصوات قائلا : إلعب يا ثووووور ! فعاجله صديقه بين قهقة الزملاء : أنا اللي ثووووور يابديوي ، أنسيت ، أنسيت من ذهب منكم في زيارة لإندونيسيا إيش قال حين سألوه عن البلد ، قال : والله ياعيال ، البلد كلها خضار ، ومن كتر مزارعها ودك تكون عنز ! .. ضحكات وصراخ وتريقة تقاذفها اللاعبين ! لكن الأول بسرعة بديهة لم يجعله يتهنى على فوزه فصاح : وإيش تقول على واحد من ربعكم زار الرياض وشاهد برج المملكة ، فلما سألوه عنها قال هى فتاحة بيبسي ! هاهاها .. هاهاها .. قهقهات منتشية وسعيدة بهذا التنادم ، لم يقطعه إلا : بيب بيب .. بيب بيب ، الرنين الحاد لأحد الجوالات ، تناوله صاحبه وبعد أن قرأ الشاشة صاح بالجميع : قولوا معي آمين ! قال قائلهم : وعلى ماذا نقول ؟! أجاب مبتسما : هذا دعاء حار عن الأسهم ! صوت : طيب أسمعنا إياه ! ، قال : أوكي ، إسمعوا : اللهم إنا نعوذ بك من سهم لا ينفع ، ومساهم لا يشبع ، ومؤشر أحمر لا يرفع ........ "آمين" رددها الجميع بصوت واحد ! اللهم إرحم الناس ، وخضر الشاش ، وإصعد بالأسهم الخشاش ........ "آمين" رددوها اللهم خذ بيد المتاولين والمتداولات ، والخاسرين والخاسرات ، الأحياء منهم والأموات ! الهم إجبر كسرهم ، وزد نسبتهم ، اللهم عليك .. بهواميرالسوق ، ومن سعى في أسهمنا بسوء ، عليك بمن أكلوا اللحم واللية ، وتركوا الشغث والعظم للرعية ........ "آمين يارب العالمين" ! لاحظ الذيهناك أن صاحبه قد تأثر بالدعاء ، فقد إسود وجهه وهوكظيم ، وشحب وإنتحب وأصابه غم عظيم ، فمال عليه ليؤنسه : بالمناسبة ، ماهى أخبار هاموركم العظيم ؟ "" لا أدري ، لم يعد أحد يراه أو يستطيع الإتصال به ، غاب .. إختفى .. إنقلع ، فص ملح وذاب ، حسبنا الله ونعم الوكيل ، جعلنا هو وأمثاله نفقد الثقة في كل شيئ ، صار كل شيئ في عيوننا زائف ، الناس ياعزيزي في هذا الزمان تتجمل لتخفي قبحها ، يضعون المساحيق ، يلبسون المسوح والأقنعة ، يمسكون المسابح ويتمتمون بالحكم والمواعظ والآيات ، يضعون بسمة موناليزية على شفاهم ويمشون بها في الأسواق "" كانت هذه نفثات القهر والغضب التي زفرها الذيهنا ردا على تساؤل صاحبه ! لم يعلق صاحبه لكنه رفع عقيرته مناديا : ياشيبة ! جاء مسرعا وجلس على الأرض قبالتهم وأخذ يصب الشاى ، ناول بيالة لهذا ثم الأخرى لذاك وأخذ يطالعهما ، كان الذيهنا من شدة نرفزته قد تعرق ، فمد يديه يبعد عقاله وشماغه عن رأسه ، ومع هذا ظل ضوء المجلس منعكسا على حبات من العرق فوق جبهته ، ويبرز قسمات العبوس الظاهرة على وجهه المكتئب ، بعد أن صب لهم مرة ثانية ، عزم الشيبة على أن يزيل هذا العبوس من وجه الضيف ، فقال له وهو يبتسم : أتريد أن ترى كيف أعض عيني ؟ إندهش الذيهنا بما سمعه ، فلم يكن يتوقع حديثا معه ، بل لم يستسغ أصلا هذا العرض الغريب الشاذ ، ومع ذلك سأله بأدب بعد أن إستحوذ عليه حب الإستطلاع : وهل يمكنك حقا (عض عينك) كما ذكرت ؟ أجاب الشيبة مجلجلا : طبعا أستطيع ! هز الذيهنا رأسه مستغربا ثم قال وهو يمط شفتيه : إذا أرني كيف تفعل ذلك ! أسرع الشيبة بيده إلى عينه اليسرى الجاحظة ، أمسكها ثم أخرجها من مقلتها ثم وضعها بين أسنانه وعضها ثم أعادها إلى كهفها ! لأول مرة منذ شهر يضحك من قلبه ، وتبعه صديقه ثم كل الموجودين ، حتى إرتج المجلس ، وحين توقفت الضحكات والتعليقات وسكن الجميع ، أعاد الشيبة نفس العرض ببلاهة : أتريد أن ترى كيف أعض عيني ؟ تبسم الذيهنا بسخرية وأجاب : قديمة ياالشيبة ، إلعب غيرها ! قال الشيبة بعزم وإصرار : أنا فعلا ألعب غيرها ، أقسم لك أني سأعض عيني دون أن أخرجها من مكانها ! قال الذيهنا غير مصدق : مستحيل ! أجابه الشيبة بسرعة : لا يوجد مستحيل ! "" أتحداك "" قالها الذيهنا بغيظ ! قال الشيبة : قبلت التحدي ، لكن عليك إعطائي مئة ريال لأفعلها ، فإن فشلت فسأرد عليك مئتين ! تدخل الذيهناك : مافي داعي للفلوس ياالشيبة ، هذا قمار ! الشيبة غير مبالي : كل شيئ في هذه الدنيا قمار ! أعطاه الذيهنا الورقة وهو يقول : هذه هى المائة ، أرنا كيف تفعل المستحيل ! أخذ الشيبة الورقة ووضعها أمام عينه السليمة يتفحصها ، بعد أن إطمأن أخذ يطويها بعناية ثم أودعها جيبه ، بعدها رفع يده إلى عينه ، لكن الذيهنا صاح محذرا : أأأ ، أثانية ستخرجها ، ضحك الشيبة وقال : لا ، لن أخرجها ، فقط كنت أريد أن ألمعها ! ثم ، بحركة بهلوانية خاطفة مد يده داخل فمه ورج أسنانه إلى أن خرج طقمها في يده ، ثم رفع الطقم إلى عينه التي كان يريد جليها وقبض عليها برهة بالطقم ، ثم أعاده ثانية إلى داخل فمه وأخذ يلوكه ! قرقعة قهقهات ، وفرقعة تعليقات ، قطعت الصمت الذي كان مخيما على المجلس أثناء التحدي ، فعاد المجلس إلى صخبه المعتاد ! من شدة الحرج ، ومن كثرة العرق ، ومن نكد الدنيا وزيفها ، ومن تفاعل الحدث مع ماكان يزوبع داخله ويؤلمه ، فقد إكتشف فجأة من منازلة الشيبة ، أنه من فظاظته وغلظة قلبه ، هو : "" الذي .. عض عينه "" ! ولما كانت عينه طبيعية وليست زجاجية ، فقد إنغرست أسنانه فيها وأدمتها ! عند وصوله لهذه النتيجة إنهار داخليا ، فقام منكودا من قعدته يتعكز على كتف صاحبه حتى إنتصب ، ثم سأله بألم مبين : أين الحمام ؟ أجابه مشيرا بيده وهو يطالعه ويرثي لحاله : بعد الباب إتجه يمين ! خرج الذيهنا تجره وتسحبه قدماه ، خرج إلى الحمام ، لكنه أيضا لم يعد! مرت عدة أسابيع على خروجه ، حاول صديقه العثور عليه في أى مكان يعرفه فلم يوفق ، كان يريد أن يعطيه عقاله وشماغه الذي نسيهما ، ويعطيه مداسه الذي تركه عند الباب ، ويعطيه مفاتيح السيارة التي تركها أمام البيت ، لكنه فشل في العثورعليه ليرد له ودائعه ! خلال الشهور التي مضت ، سرت شائعات كثيرة حوله ، بعضهم قال : "" أنه رآه بأسمال قذرة بالية ، هائم على وجهه بالطرقات يستقبل المارة ، يصافح هذا ، ويودع ذاك "" ! وبعضهم جزم "" بأنه رآه ملتحيا وبملابس الإحرام ، يطوف مع الطائفين حول البيت العتيق بمكة المكرمة ، يطوف بلا إنقطاع "" ! وآخرهم أكد عن يقين بأنه علم أنه "" تطوع للجهاد ، وسافر إلى العراق ، لمحاربة الكفار "" ! ( مصطفى سكر – جدة – 2006)
.jpg)
هناك تعليقان (2):
very goog story, thanks.
Helo, Did this story true, if so, it is very good to read something like this in the net.
thanks.
Fayrouz
إرسال تعليق