كتاب عرب - يسري الغول Guest Writer*
الحِصــــــــــار
- ليتني لم أفعل ، ليتني حقاً ، ليتني … الثالثة عصراً ، و الحصارُ حصار داخل مخيمنا الضيق ، و من بين دهاليزه المدمرة توجب عليّ الفرار من الموت ففررت . خرجت أهيم على وجهي في طرقات المخيم الصامتة علّني اصطدم بقطعة لحم منسية ، أو برصاصة جافة تهوي بي نحو المجهول فتريحيني من عناء البحث في دروب الحياة الحمقاء . لكنني لم أجد أيا من هاتين الأمنيتين كأقراني ، بل شيئاً جديداً تماماً . فلقد أكرمني الرب بقطة حمراء يافعة ، و هذا يعني أنني أحلم ، فأن تصدف قطة في شارع ما في مخيمنا على قيد الحياة أمر مستغرب فعلاً ، و الأكثر غرابة أن تكون هذه القطة بذلك الحجم المثير لسيلان اللعاب . لحظتها كم راودني ذلك الإحساس المفرط بالسعادة من الولوج إلى منزلي بهذا الصيد الوفير ، لكنني لم أكن أعلم أنها ستكون أكثر من سيحاربني حتى في لقمة عيشي إلى ذلك الحد البعيد لتصبح كل همي و غمي . العاشرة مساءً ، و الخرابُ خراب . بخطوات وئيدة ولجت المنزل ، كان جميع أفراد العائلة في انتظاري ، أو بالأحرى في انتظار ما في جعبتي من طعام . أمي ، أبي ، حتى أخواتي الأربعة . أغلقت الباب ثم تبسمت في وجوههم بينما تهادى ذلك القط اللعين بين يدي و عضّني بأنيابه عضة لا يزال خدرها ينملني حتى اللحظة ، تركته و أنا أحدق في وجوههم واحداً ، واحداً . لكنني شعرت بأن الدهشة قد أصابتهم حتى أن أحدهم لم ينبس ببنت شفة . فرُحت أتحدث لهم عن طريقة إعداده للأكل لكن صراخ أبي و بصاقه لم يتركاني أنهي حديثي ، فقد بدأ يهذي بحنق : - يلعن هالزمن الأغبر ما ألعنه ! ثم متابعاً : - تريدنا أيها القبيح أن نذبحه ،ما ألعنك أيها الشيطان. و انتهى الحوار بأن قضينا ليلتنا دون طعام ..! اليوم الثاني ، يوم الحكاية و الانفجار لا أدري جيداً من أين تبدأ الحكاية بالضبط ، لكنني أستطيع أن أخمن بأنها تبدأ من حيث انتهت تلك الليلة السوداوية التي أظلتني بنارها . كنت كمن يهذي طوال الليل ، أحدق في جو السماء ، أتضور جوعاً و خوفاً . أحاول طرد الذكريات المرعبة ، الأفلام الكابوسية التي أعايشها ، لكن دون فائدة ، فكل العقد لا تنفك عني ، لأن شيئاً واحداً فقط ما يلازمني هاهنا ، الموت ولا شيء دونه . المهم في الأمر أنني استيقظت . كان وجهي شاحباً ، أخذت أنظر يميناً و شمالاً باحثاً عن كوب ماء لاصطدم بوجه ذلك الشيطان يحدق بي ، كأنه يريد امتصاص شراييني ، لحظتها صرخت و صرخت . خرج أبويّ ظانين بأنني قد أصبت بعيار ناري من إحدى الدبابات التي تحوم حول المكان . جاءوا و اجتمعوا حولي و هم يقرؤون آيات من الرقية علّني أستريح ، لكنني لم أهدأ و أنا أرى هذا الشيطان يجلس إلى جوارهم ، يلحس بلسانه النجس الملابس و الوجوه . هتفت بهم صائحاً : - أخرجوا هذا الحيوان من غرفتنا ، أخرجوه ، أخرجوه . ثم عاد لي رشدي .. صباح ككل الصباحات المرعبة خرجت ثم عدت برغيف من الخبز الناشف كان بجوار أحد الشهداء الذين لم يحالفهم الحظ بالتهام شيء منه سوى لقمة أو لقمتين ، أعطيت جميع من في المنزل حصته من تلك الوليمة حتى قطنا القبيح ، ثم ذهبت وحيداً إلى غرفتي و أنا أحمل تلك القطعة اليابسة من الخبز ، ذلك الخبز الذي تقول أمي فيه الحكمة التي درجت على لسانها هذا الشهر " الخبز العتيق أكثر صحة من الخبز الطازج " ، و قد كانت تعني في حكمتها تلك أن المضغ الكثير يولد الشبع بالقليل ، و حتى هذا القليل لم أنل منه شيئاً ، فما أن وضعت الكسرة في فمي حتى هاجمني ذلك الشيطان بأنيابه و مخالبه القوية ليستولي على تلك القطعة كاملة و لم أعد أفكر باستردادها منه لأنه بدا أكثر قوة مني .. و تمر الأيام الحُبلى أخرج هائماً ، مشرداً . أحدق بالأرض القاحلة علها تنبت شيئاً يشفي آلام بطني الفقيرة . فآكل قبل العودة إلى المنزل حتى لا يؤنبني أبي إن ركلت ذلك الحيوان أو ضربته إذا هاجمني .. بالأمس استطعت الحصول على لتر من الحليب ، عدت به إلى المنزل فإذا أمي تطعم ثلثه للقط ، و تعطينا الباقي . حينها لم أستطع أن أكبت جنوني ، فصرخت بهم كالأبله : - يالكم من مجانين ، نحن نحصل على أقل من الربع و الباقي يستولي عليه ذلك اللعين . و لم أتوقف عن ذلك فقط بل سحبت ذلك القط من تحت الأريكة و رميته من الشباك إلى خارج مطبخنا . لكن أمي عنّفتني قائلة - أيها الأحمق ، ألست مسلماً . و انتهى ذلك الغباء .. زحف حتى الموت أثناء رفع حظر التجوال عن المخيم في اليوم العشرين ، وقفت في الطابور لشراء الخضار و لما انتهيت لم تكن الحكاية قد انتهت ، بل قد بدأت ، فقد بدأ التراشق بالمدافع و الرصاص من جديد و كان يتوجب عليّ أن أفعل كما كل ليلة . أن ازحف حتى أصل المنزل سالماً من الرصاص . و هذا ما حدث ، فقد عدت إلى المنزل الساعة التاسعة . كان جميع أفراد العائلة يتناولون فطورهم بينما يجلس ذلك الوحش في مكانٍ منزوٍ عنهم يأكل خبزاً منقوعاً بالماء في صحن أبيض ، لحظتها بدأ شيطاني يراودني ، فأسرعت تجاهه و ألقيت ما في ذلك الصحن على الأرض بغضب ثم هتفت بعنف صارخاً في وجوههم : - لن يأكل هذا الحيوان معنا اليوم شيئاً ، بل سيخرج من المنزل و .. .. صوت أمي لم يتركني حتى أنتهي من ذلك الحديث الأجوف ، فقد صفعتني بشدة و كانت المرة الأولى التي تفعلها مذ كنت في الرابعة ، ثم تابعت : - يا معذب الحيوانات . الموت للأعداء رأيت ذلك القط بينما كان الجميع غارقاً في نوم الموات . انتهزت الفرصة و اقتربت من عدوي اللدود ، مسدت له شعره الناعم ثم لكمته بعنف .. - لا أستطيع أن أراك تسمن كل يوم و أنا يصيبني الهزال. قلت تلك الجملة بصوت لم يسمعه أحد سواي ، ثم أمسكت ذلك الحيوان النتن و خرجت به نحو حاوية المخيم و هناك ضربته على رأسه أكثر من مرة ، لكنه كان بعيداً عن الموت ، ضربته مرات و مرات لحظة أن تهاوت في قيعان روحي تلك الجملة الرهيبة ( للقطة سبعة أرواح ) وإذا بجسدي يهتز ، يرتجف . بدأت أضربه بعنف ، ضربة خامسة ثم سادسة ثم سابعة حتى سمعت له طقطقة لم أسمعها من قبل و قد تغير لون الحاوية إلى الأحمر القاني ، لحظتها فقط هدأت روحي ، فبدأتُ أمسح العرق عن جبيني و أنا أحدق باللافتة التي أمامي بنظرة شزرة ( مخيم جنين يرحب بكم ) .
.jpg)
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق