قصص - روضة السالمي Guest Writer*
لن أقول صباح الخير
أجلس إلى النافذة.. أرتشف فنجان شاي أخضر بالنعناع.. أعرف أن ذلك لا يتناسب مع هذه الليلة الطويلة.. غير أني لم أجد غيره في مطبخي رفيقا لسهري.. النجوم عيون شياطين تحرس نوم المدينة المتوج بالأرق... حين يجافيني النوم أتسلل إلى النافذة الوحيدة المطلة على الزقاق.. أسهر مع الليل الذي يمضي بطيئا وبعيدا كقطار نسي محطته الأخيرة ومضى.. لدي كل الوقت للتفكير ومحاسبة النفس.. فنجان الشاي الأخضر الذي أعددته على عجل لم يكن سيء المذاق.. فقط ينقصه السكر.. فقد نفذ.. أسهر الليلة مع أفكاري.. من نافذة تطل على زقاق تضيئه بعض النجوم الحزينة.. صاح ديك بعيد.. و أنشد صرصار بليد أغنيته المعادة.. ماء قط يبحث بإصرار عن خليلة مجهولة... ماء طويلا ثم مضى.. حزينا ربما... أو واثقا في غد قد يأتي بالجديد... لدي كل الوقت لأحس بوحدتي فتتجلى لي ذاتي كائنا مكتملا يتحدى صمتي بنزق.. تقسو علي حينا وتعطف أحيانا أخرى.. تماما مثل هذه الحياة... أحب هذه الرفقة الجميلة مع ذاتي... وأخشاها... في هذه الليلة التي تحاول فيها المدينة النوم بصمت... أرتشف مع نفسي فنجان شاي بدأ يبرد... في الشارع حين أذهب صباحا إلى العمل يعترضني متسول أعرج ذو تقاسيم باهتة... يدعو لي بالصلاح والفلاح فأضع في يده مائة مليم كاملة وأمضي... رغم قناعتي بأن دعائه المأجور لن يصل إلى السماء... تطل بعض الرؤوس السمجة من المقهى... ترتشف أولى فناجين القهوة المبللة بالندى... عامل البلدية يدفع الأوساخ بعيدا بتراخ... يحلم بيوم آخر يجلس فيه على صهوة مكان لا وسخ فيه ولا مكنسة... في الصباح أكون متحمسا لقول صباح الخير قبل أن يفصح الصباح عن خيره المشكوك فيه... ألقي التحية على الحمال النائم أمام باب السوق المركزية منتظرا فتحه... على عاملات التنظيف يتبادلن أخبار مسلسل الحياة اليومي... على كلب بثلاث قوائم... على عمود الكهرباء... على متسولة نشطة تحاول أن تستوقفني بعينيها الذابلتين... ألقي التحية على صنم ابن خلدون المتلفع بعباءته الأبدية.. وعلى ملائكة المسيح وعلى كل الكائنات.. وأمضي خفيفا إلى عملي... أفتح أبواب الإدارة... أفرغ بتفان منفضة سجائر المدير... أمسح المكتب بعناية... أمسح جيدا الكرسي الأسود الفخم... وأغلق الباب بحرص حين أخرج... أعد الشاي والقهوة للجميع... ثم أجلس عند المدخل أحي كل الداخلين... وأبتسم للمدير... في الصباح أتحول إلى كلب صغير وأليف... يتقن تحريك ذنبه ومد لسانه والتقاط الفتات.. أنهي عملي وأعود مسرعا للبيت... تلك حياتي... رشفة أخرى من الشاي المر.. ووجهي يرتسم في الأفق الضيق لزقاقنا المترع بالظلام... نظام الحصة الواحدة في شهر أوت... وشمس الساعة الثانية تلهب شتات المشاعر... دخان السيارات المسرعة يحيطني من كل جانب.. يحاصرني... يكاد يخنقني.. باعة الكاكي يحتمون بظل الأشجار الداكنة والمتباعدة.. سواح يشربون الماء من قارورة بلاستيكية ويرمونها في الشارع.. عيونهم الملونة زائغة وجلدتهم الرقيقة احمرت من لهب السماء... عادة لا أحب التهور... لكنني وأنا الجالس الآن إلى النافذة أرتشف فنجاني الليلي أفكر أن ما فعلته لم يكن تهورا... قد يكون محاولة للهرب من المألوف المكرر اليومي الرتيب... قد يكون انتحارا... قد يكون أي شيء... غير أنني إلى الآن لا أدري ما دفعني لإيقاف سيارة أجرة في ذلك اليوم القائظ... كنت أمشي على الجادة منهكا ومفرغا تماما... ولم أنتبه ليدي كيف امتدت وأشارت للسيارة بالتوقف... يدي تلك الخائنة... تلك التي تسرع في التقاط الفتات.. تلك المتفانية في تنظيف كل شيء... وتلقف كل شيء ساقط... يدي الممتدة عموديا في خط متواز مع السماء... سماء القيظ في زمن عز فيه الندى... لم أنتبه لنفسي إلا بعد أن تورطت في الجلوس على المقعد الخلفي لسيارة أجرة معفرة... انطلقت بي سريعا ولم تترك لي فرصة للتراجع... خجلت من الاعتذار للسائق... دخان سيجارته يخنق الهواء في رئتي... ويخنق الكلمات في شفتي... كانت المرة الأولى... المرة الأولى التي أتهور في امتطاء سيارة أجرة... تفاديت المرآة العاكسة وأدخلت يدي إلى جيبي خلسة... تلمست الورقة النقدية المهترئة التي أدخرها للشدائد... التي ترقد في جيبي منذ ستة أشهر... وندمت كثيرا... لم أستطع الاسترخاء في مقعدي الملتهب... العداد يلتهم الأرقام الهاربة... وأنا أغوص في عرقي... ثمانمائة وثلاثون مليما... ثمن خبز الأولاد... بعض الحليب... أو السكر... أو البطاطا... صوت داخلي يحذرني من اقترابي من الدينار... عينا السائق ترقباني بارتياب في المرآة العاكسة... وأنا مشدود كطود لا يمكنه الارتخاء... من النافذة أرى البنايات القديمة الشاهقة تتراجع في وهن... صبي يدفع عربة خبز تنضجه شمس أوت الحارقة... شيخ يقود لاهثا دراجة قديمة... الكثير من الزحام... في الطريق وفي صدري... دينار وثلاثمائة مليم... غصة تعلو وتهبط في الصدر... كم كان الأولاد سيفرحون لو اشتريت لهم قارورة مياه غازية في هذا اليوم ظالم الحرارة... أو رطل عنب.. منذ متى لم نذق الغلال في بيتنا... نظرات السائق المتشككة تجعلني أتماسك في مقعدي... لا يمكنني التراجع بعد أن أعطيته العنوان... علي أن أخوض التجربة لنهايتها... لنهاية هذا الشهر الطويل.. معدتي تشكو الفراغ... وفي القلب أكثر من غصة وطعنة سكين... من خلال زجاج النافذة أرى رجلا يحمل بطيخة حمراء كبيرة في عناء واضح... أشتهي لو كنت مكانه... لو تهورت وغامرت بورقة الخمس دنانير واشتريت بطيخة لفرحت نادية كثيرا ورقصت حولها كذبابة صغيرة ولوضعها يوسف في قصعة ماء كي تبرد قليلا... ولتخاصم عدنان وسفيان على من يقوم بفتحها... لابتسمت لي زوجتي... وسمعت تمتمة دعاء أمي... دينار وتسعمائة وسبعين مليما... والسيارة مازالت واقفة في الضوء الأحمر... خيوط العرق على جبيني سياط تلهب كل مشاعري... لا أستطيع أن أنزل الآن وقد أوشكت على الوصول... ماذا سيقوله الجيران عني عندما يرونني أنزل من سيارة الأجرة... سيتوقعون أمرا ما.. ترقية مستحيلة أو زيادة في الراتب.... مع الضوء الأخضر تنطلق السيارات... تطالعني عين العداد الصماء الخرساء... ديناران ومائتين وأربعون مليما... يقف السائق أخيرا في بداية الزقاق... أغادر صامتا السيارة التي امتلأت عرقا وندما... أمد يدي بالورقة المدعوكة... يفردها السائق بعناية... يتثبت منها ينظر في وجهي المتعب... يتأمل لحيتي النابتة... ثم يعيد إلى الباقي متلكئا... ديناران وسبعمائة مليم... ويحتفظ لنفسه بالباقي... أبتلع ريقي بصعوبة... تحملني خطواتي في قيلولة الزقاق الصامت.. القطط تنام بحذر قرب الجدار.. أدير المفتاح في القفل الصدئ وأدخل البيت.. يرافق دخولي المؤلم دعاء أمي.. منذ أن فقدت بصرها أصبحت تتعرف علي من خطواتي.. من صوت تنفسي... من همسي في صدري... يأكل الندم قلبي... لو اشتريت بعض الغلال لكانت ستفرح كثيرا... منذ متى لم يدخل كيس غلال بيتنا... ولم ينتهي الشهر قبل أن يبدأ... ولم نأكل أكثر من مرة واحدة... لا يمكنني الذهاب إليها الآن ستحس بضيقي وستسألني هامسة كي لا يستفيق الأولاد... وستتألم لألمي... كنت أنانيا... أعرف ذلك.. الندم يأكل قلبي الآن.. كما يقضم الجرذ قطعة خبز متعفنة.. منظرها وسط الغرفة الضيقة المعتمة متكوما على الحشية المهترئة مع أبنائي يجعلني أحس أن جريمتي في حقهم لا تغتفر... زوجتي تنتظرني في المطبخ.. أدخل إلى الحمام أولا.. أتخلص مما أثقل مثانتي وضميري.. ثم اتجه إلى المطبخ.. تعترضني رائحة الشكشوكة بحدتها... تنزلق عيناها رغما عنها إلى يدي الفارغتين... غصة في الحلق... حلقها وحلقي... نداريها بابتسامة واهنة... تقول بأن يوسف سقط من الدرج وانفتح جبينه... وأنها اقترضت ثمن التسجيل في المستوصف من جارتنا منوبية... أحاول أن أداري دمعة احتبست في القلب... وأخرج من المطبخ صامتا... دخلت حجرة نومنا ذات السقف الواطئ... لم آكل شيئا.. لا أقدر على تلذذ أي طعام.. أحاول النوم.. الحجرة كابوس صيفي لا مفر منه.. أتململ صامتا على بساط فرش على الأرض تلمسا للبرودة... ينسحب التعب عميقا في داخلي.. دوار عنيف يلف رأسي.. والندم يقضم أعصابي.. لم يحفل النوم بي هذه الليلة.. ولم أحفل به... تغوص المدينة في كآبتها الممجوجة... علي أن أستعير بعض المال لأنهي رسم دائرة الشهر الذي لا ينتهي... لأعيد للجارة مالها... لأرقع الخمسة دنانير التي انتصفت قبل أن ينتصف العمر... علي أن أجد أحدا يقرضني... وأعرف أن لا أحد سيفعل... لسع البعوض لم يعد يؤثر في... نفذت كأس الشاي... الزقاق صامت إلا من صوت بعض الصراصير... سأتوقف عن التفكير... يكفي أن أنظر في الفراغ كي أرى من دون مشقة قطار حياتي وقد أضاع محطته الأخيرة... لن أفكر في شيء مطلقا... وغدا لن أقول صباح الخير...
.jpg)
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق