قصص عراقية - جاسم المطير Guest writer*
فاطمة على قيد الحياة
فاضت العيون بالدموع. نساء ، وأطفال ، وشيوخ ، كلهم في الشارع. أبدانهم ، جميعا ، تقشعر فزعا مما سمعوا ومما شاهدوا. طفل يتكئ على حائط يبكي لفقدان أمه. رجل مسن ، محني الظهر ، محاولاً أن يحبس دموعه بعد خروجه من الجامع الكبير الخالي من المصلين في ذلك اليوم. أنه عبد الصمد معروف بورعه وتقواه . أما سكان المحلة النشطين فقد اغرورقت عيونهم بدموع غزيرة . يجهدون أنفسهم ، فصائل و مجاميع ، للعمل بقوة وبسرعة لإخراج الموتى من تحت الأنقاض . ليس هنالك من لا يجازف برفع الأنقاض أو الدخول إلى مناطق خطرة متداعية تركتها العاصفة آيلة لسقوط قد يحدث في أية لحظة. يمكن أن تسقط على رؤوس الأحياء الساعين إلى إنقاذ من لم يمت ، بعد. أكثرية جليلة من الناس يتجمعون في الشارع العريض الواقع على النهر القادم من شط العرب ، يشد بعضهم أزر بعض ، متحدين بكل قوتهم ضد هذه الأزمة ، كأنهم يتدربون لاستقبال واقعة أشمل وأكبر، بينما يشاهدون في الرصيف الآخر امرأة يوسف نوري المقتول في الفاو أثناء الحرب ، منخرطة في نحيب وألم عميقين ، تولول و تصيح: ـ أين طفلي يا الهي ..ابحثوا عن طفلي ..أيها الناس أرجوكم ابحثوا عنه سريعا قبل أن يموت..أنني أموت حالاً إذا مات .. فقدتُ أبي وأخي في العاصفة الأولى. فقدت زوجي فيها أيضا قبل سبع سنين.. لماذا يا إلهي تأخذ طفلي الصغير أيضا في العاصفة الثانية .. يا رب العالمين أحفظه من كل شر .. لم يبقَ لي في الدنيا سواه.. رفعتْ رأسها إلى السماء باسطة يديها بتضرع. ـ من يدري أين طفلك أيتها المرأة. الموت متنوع وشامل.. من قال أن الله أخذهم .. تحدث الرجل المحني الظهر (الأطفال يدعونه أبو قنبورة) بصوت غير خفيض كأنه يتحدث مع نفسه لكن الواقفين قريبا منه سمعوا قوله.. ثم أضاف بصوت غير مسموع: ـ ربما تجدين بقاياه تحت الأنقاض. ربما تعجلت أذناه بالصمم حتى لا يسمعك ، حتى لا يتحول إلى ناجٍ بأعجوبة من موت محقق نشرته العاصفة ، فيعيش مشوها بقية عمره كله. ـ تحت الأنقاض.. أنا متأكدة أنه تحت الأنقاض.. شاهدته داخلا إلى البــيت قبـل أن ينهار . همس الشاب النحيف لصديقه كي لا تسمعه الأم المفجوعة ، وهو ما زال منشغلا منذ الصباح الباكر ببذل جهده مع الآخرين في عملية البحث عن الناجين من تحت الأنقاض مؤكدا عدم وجود أي أمل ببقاء الطفل حيا. لا يريد أن يصرح بالحقيقة كاملة أو واضحة أمام أمٍ تكاد تفقد وعيها. النسوة يعاونّ في البحث أيضا لكنهن لا يكفنّ عن البكاء والنحيب أو الولولة. كان المطر ما يزال يهطل بغزارة . أينما وليت وجهك تجد تجمهرا .الشوارع مليئة بالســـكان .البيوت غادرها الناس . لا نزلاء في فنادق المدينة . باصات نقل الركاب متوقفة عــن العمل . عيادات الأطباء فقدت حركة المرضى والأدوية . لا طلبة في الجامعة ، لا تلاميذ في المدارس . الأسواق مغلقة منتسبة كلها إلى عالم الآلام والكآبة. لا أحد يملك ، الآن ، أي تخيلات أو أفكار أو عواطف عن الشبح المجهول المشؤوم الخانق للأرواح مستعبداً سماء المدينة ، ولا المعلوم الأسود الخفاش الذي يأتي مع العاصفة نازلا على دنياها الهادئة وعلى أهاليها ممن لا يقدرون على اعتراض سير الأجرام المحلقة في ما بين الغيوم الكثيفة المتحولة إلى نارٍ ، كنار إبليس ، حين تنتهي دائما بموت و دمار في أرض المدينة. لا أحد يعرف متى تنتهي العاصفة بعد أن بدأت . لا يمكن رؤية خط تقسيم واضح أو أحمر بين البداية والنهاية. المشكلة الكبرى اليوم هي ، كما جاء على لسان أبو قنبورة: ـ أين نجد مكانا أمينا يقينا أهوال وفواجع العاصفة. متى يا رب العالمين توقف الشر والموت النازلين علينا. تناهى صوت آخر ، كأنه السر: ـ يا لخيبة الأمل لم نجد أحياء بعد. تناهى صوت أحمد الحاج درويش في مقدمة العاملين في الإنقاذ . يشاهده الناس يسحب جثث الضحايا منذ ساعات ، لم يكل أو يتعب .. أغلبهم يعرف من هو أحمد الحاج درويش .كان هذا الرجل يكرر قوله ، دائما: أن لا فائدة في إنسان يسلم أمره إلى القدر. كان طويلا ، بادي الأسارير. له شارب كث وعينان واسعتان سوداوان ، دائم الأناقة. عندما يتحدث فأنك تجد عنده خلاصة تجارب الرجل الخمسيني . في حديثه علم ومعرفة وفهم وغرابة أيضا. حتى حينما يتحدث في الأمور السياسية ، فأنه يقدم لك تشويقا في أمثلته وأحاديثه. كان كثير التردد على النوادي والتجمعات الاجتماعية . يملك هدوءا قادرا على إقناع الجميع بأفكاره وأيقاظ مشاعر الآخرين لعمل الخير. الآن يعمل في جمع الجثث ، لم يكن صامتا. لا يستطيع أن يصمت لفترة تطول لأكثر من بضع دقائق . تلك هي عادته.. هو الوحيد بين الجميع يعمل في رفع الأنقاض وحملها مفاجئاً الآخرين بتعليقات حادة عما أحدثته العاصفة من مصائب. أخرجوا جثة سلمان الأسود المعروف بإدمانه على السكر . قال بألم : ـ حتى شرب الخمر حق .. لكن العاصفة ليست حقا. ثم أضاف بنبرة فيها غضب مكبوت: ـ لكل جريمة صفة وأسباب ، أحيانا لها أسباب أخلاقية إلاّ جرائم هذه العاصفة فهي لاأخلاقية. كان أبو قنبورة يعبر بحركات من عينيه عن عدم رضاه لأقوال أحمد الحاج درويش ،خريج كلية العلوم السياسية المتأثر بشخصية والده الذي كان سجينا سياسيا في ما مضى. أنهى تعليقه بالقول: ـ خلاصة الأمر يا أبن الحاج أن العاصفة موت. المسألة واضحة وبسيطة لا تحتاج إلى تفلسف. صار الباحثون عن الأحياء يسخرون بمرارة من كل ظن واعتقاد بوجود أشخاص على قيد الحياة تحت بيت تهاوى كل طابوقه ولا حتى تحت أنقاض البيت الصغير المجاور. استمرت العاصفة على شدتها أياما . بدا ، فيها ، لسكان المدينة كأنها دهر طويل جدا لا يستطيعون أن يعرفوا له حسابا. حجبت خلالها رؤية الناس، قاطعةً أسلاك الكهرباء والهواتف ، أنقطع ماء الشرب عن الدوران في الأنابيب ، انقطعت الأفران عن فرن الخبز.. استحال لون السماء إلى لون أحمر غامق. ظلت الرياح تهب بدون توقف في ساعات الليل والنهار، مسا قطةً البيوت على سكانها . حتى الأشجار نهضت مرتعبة من مكانها لتسقط عل الأرصفة أو في وسط الشوارع. أفكاري كانت تتراوح بين تصديق ما حدث ، وبين محاولة نسيان ما شاهدته عيناي في الليلة البارحة. هذه هي حال مدينتي الآن. بيوت من طين ومن طابوق مهدمة فوق مخابئ أحواض من نفط . أحرقت فيها بيوت من قصب منتشرة بين عشرة ملايين نخلة ذات أهداب طويلة ، بل ذات ضفائر لا اجمل منها على شاطئي نهرها الكبير وعلى ضفاف أنهرها الصغيرة وجداولها المتفرعة القادرة حسب ما قاله الخبراء منذ زمان طويل على تحويل المدينة وأهلها من حالة الفقر إلى حالة الغنى. لكن العاصفة حولتها، هذا اليوم ، من الغنى الأقل إلى حالة الأكثر فقرا. هوت العديد من البيوت في محلة الخندق.. محلة الرباط الكبير غدت عارية عن الأبنية. محلة العشار التي قضيت فيها طفولتي ومارست ألعابها أغلقت العاصفة جهاتها الأربع بالأنقاض . الوجود هو هو في كل المحلات والشوارع . ثمة فعل متشابه واحد للعاصفة في شمال المدينة مثل جنوبها.. شرقها له نفس المرتبة من الخراب مثل غربها. أصبحت كل الجهات متشابهة بمحض أرادة العاصفة. لا يرى في الأفق غير غايات العدم تتألف في المدينة جزءا بعد آخر . ربما يتألف مستقبلها ، أيضا ، من العدم. قال عامر أبن سعيد ، طالب جامعي في السنة الأخيرة من كلية الهندسة الكهربائية ، بتأثر شديد باد على وجهه المليء بالغبار والأتربة: ـ يا لبؤس الإنسان فيما يعجز عن فعل الخير. نظرتُ إليه وأنا أحاول استرجاع قوتي. قلت معقبا بينما كنت أرفع كتلة من الحجر بيدي: ـ الإنسان يصبح أنسانا حينما يبني ويتقدم على الحيوانات. أما حين يهدم فلا وجود لإنسانية في عمله أو مسعاه. ـ نحن إذن في عالم الهدم.. قال عامر أبن سعيد هذه العبارة وهو يرفع بصعوبة كتلة قوية من الطابوق كي يفسح مجالا للآخرين حتى يصعد أحدهم إلى داخل غرفة صغيرة متهاوية ظنا منهم أن فيها جثتين. بكت حدائق وبساتين واسعة محيطة بالمدينة أو تتوسطها .فقد أتت العاصفة على الأشجار والنخيل لتفقدها طبيعتها. الطرق النظيفة المعبدة بالقير والإسفلت غدت جريحة ومقطعة الأوصال بفعل أشياء كثيرة أسقطتها العاصفة لا يعرف أحد محتوياتها . توسخت أشجار المدينة و ملامحها ببقع سود أشيع أنها آتية من أشياء كيمياوية حملتها أعاصير العاصفة. فجأة أحس صديقي عامر بألم ممض. وضع يده على صدره وسمعته يتمتم بضرورة الذهاب إلى الناحية الغربية من مدينة العشار. ـ ما بك يا عامر أبن سعيد..؟ ـ سمعت صوت فاطمة بنت بلال داخل صدري ... كان صوتا مفجوعا.. طاف صوت فاطمة بنت بلال في قلبه في تلك اللحظة تاركا عنده شعوراً بالخطيئة ، فقد كان صوتها، دائما ، كالنعيم ، عذبا لا يفارقه كل يوم ، حسبما أخبرني ، من قبل ، كلما سألته عنها. ـ لنتحرك فورا .. قلت هاتين الكلمتين على عجل فقد شعرت بشيء قوي يدفعنا نحو الجزء القديم من المدينة التي شهدت عصورا عديدة من الازدهار والبؤس ، بالتتابع. كان يرتجف بشدة ، صاعداً قبلي إلى سيارة صديقنا عبد الله المنصوري ، جالسا إلى جانبه.. علا وجهه اصفرار مختلط مع الغبار الذي فيه فبانت ملامحه غير معروفة. كانت ثيابه الأنيقة قد توسخت . لكنه أخرج منديلا من جيبه مسح به دمعا نث من عينيه في تلك اللحظة .نظر عبد الله إلى وجهي مؤكدا أنه يعرف سر تحركنا المفاجئ ..بدا حزينا للاضطراب والألم والانزعاج الذي كنا نعانيه .لا شك أنه يعرف أننا في الطريق إلى بيت فاطمة بنت بلال لذلك لم يسأل عن المكان المتوجهين نحوه . بل أنطلق بسيارته سريعا جدا. قال عامر أبن سعيد متوسلا: ـ اسرع يا عبد الله.. يجب أن نصل إلى هناك بسرعة . زاد عبد الله من سرعة السيارة فوصلنا إلى بداية زقاق تجمع عند مدخله مئات الأشخاص ، رجالاً ونساء ، للعمل والمساعدة في رفع الأنقاض وغير ذلك. وثب عامر أبن سعيد مسرعا من السيارة. ها نحن وصلنا إلى المكان المقصود. أول صورة شاهدناها صرخت بوجوهنا بهول الكارثة. بيتان متجاوران هوت جدرانهما وسطحيهما على من فيهما. دخل الإعصار من كل مكان إلى داخل البيتين كأنه الحيوان المتوحش. كانت كارثة حقا كأن قلب عامر ابن سعيد قد تسلم تلغراف الكارثة حين كنا في محلة الخندق. ركض بأقصى سرعة داخلا الزقاق المنكوب وأنا خلفه أحمل متاعبي ، ومتاعبه ، ومتاعب الناس أجمعين. وقعت عيناي على بعض آثار الواقعة.. جثة شاب غير مغطاة .طفلة جريحة تصرخ من شدة الألم. أم تندب تعاستها لما حدث. وجدتُ في المكان رواداً آخرين انكشفت أمامهم كل مفارقات ومتواليات ومشقات الوقائع: رجال إطفاء الحرائق . سواق سيارات . سيارة إسعاف واحدة. عدد من أفراد الشرطة .طلاب جامعيين. نساء. كلهم يبكون أو يصرخون . ينتشلون بعض الجثث. يرفعون عيونهم إلى فوق معاتبين السماء. سمعت أن عددا غير قليل من الجرحى نقلوا إلى المستشفى. من زقاق إلى آخر كنت أجد المزيد والمزيد من الأصدقاء يتوافدون تباعا. وجدت صالح الزبيري بعينين محمرتين من البكاء . تكلم معي بتحفظ وهمس مشيرا إلى عامر أبن سعيد: ـ أنني أرثي لحاله .. ـ ترثي له ..لماذا.. هل ماتت فاطمة بنت بلال... ؟ شعرت بحزن عميق. أحسست بشعور غريب لا أعرف حقيقته ، تبين أن عامر أبن سعيد يقف الآن في زقاق الأحزان العميقة . فقد مات جده علوان ساري . ماتت أمه وماتت جدته. قيل له أن خاله الأكبر ما زال تحت الأنقاض .فهل ماتت فاطمة أيضا..؟ مسّ وتر الموت كل شريان في جسمي ، فكيف إذن حال أوتار جسمه.... لم يفه بأية كلمة. خطواته أصبحت متوقفة .. رمى بجسمه إلى الأرض. تقدمت نحوه لكي أساعده في الاتكاء إلى الحائط. قبلته وتبلل خداه بدمع عينيي. نظر إليّ بعينين لامعتين حزينتين ، كما نظر إلى بعض الأعمدة الساقطة إلى الأرض. أستند إلى يدي ، ملتفتا نحو كل زاوية من الزوايا أمامه. ثم قفز صائحا: ـ إلى المستشفى .. لنذهب حالا إلى المستشفى.. تركنا زقاق الموتى ، مسرعين ، إلى مستشفى أشباه الموتى. كان صالح الزبيري معي أيضا .سرنا متجولين في ردهات المستشفى ، واحدة بعد أخرى، نسأل ونستفسر عن فاطمة بنت بلال .كان المستشفى كله مليئا بالجرحى .أرضيات الردهات مطروحة عليها أجسام مرضى بعضهم بلا أفرشة. حتى الممرات الخارجية فيها جرحى يتألمون لم يحظوا بعلاج بعد. ما أن وصلنا إلى الممر الصغير القريب من الردهة الثالثة حتى أحسسنا جميعا بتعب شديد بعد أن جلنا في المستشفى ذهابا و إياباً لعدة مرات في كل زواياها بحثا عن فاطمة بنت بلال .أصابنا اليأس فاعتقدنا أنها في عنبار الموتى. على بعد أمتار قليلة عن حديقة الردهة الثالثة حدثت المعجزة بعد اليأس . فقد صرخ عامر أبن سعيد: ـ تلك فاطمة بنت بلال.. أنها على قيد الحياة.. فاطمة بنت بلال على قيد الحياة . جراح وخدوش في وجهها . تبكي وتصرخ من آلام شديدة في يديها وفي قدميها . يبدو أن اليد اليسرى مكسورة وكان بلال أبن سلطان جالسا إلى جانب أبنته يبكي بكاء النساء . تورد وجهها حياء وهي تشاهد عامر أبن سعيد واقفا قبالتها. توقفت أيضا عن الصراخ والبكاء. بينما امتلأت عيونهما بدموع غزيرة متبادلة ، ربما كانت دموع فرح ..ربما كانت دموع حزن عميق ..ربما كانت دموع حب متبادل بقوة عمره الطويل. منذ وقت مبكر كان عدد كبير من الناس يدخــل إلى المستشفى أو يخرج منها . كلهم يصرخ في طلب الحياة على لسان ضحايا العاصفة الراقدين فيها. كل واحد يريد لمحبه أن يعيش. كل واحد يريد أن يتخلص من واقع شديد المرارة خلفته العاصفة التي شملتنا وشملت جيراننا أيضا. ـ ليس بين الناس المتجاورين أنفسهم خصومة . قال صالح الزبيري وهو يتحرك في الممر بحركات تنم عن حالة عصبية: ـ الخصومة الكبرى هي بين الحياة والعاصفة .بين شياطين العاصفة والناس.. قال ذلك بحماسة لا داع لها إلاّ انه كان متأثرا بالاهتياج السائد في تلك اللحظة في المستشفى وحواليها. بينما كانت فاطمة بنت بلال تنظر باهتمام إلى الجميع مصغية إلى الأحاديث بنوع من الثقة والأيمان والفرح. عامر أبن سعيد له رأي آخر فما أن بدأ مكروه العاصفة يصب غضبه علينا حتى أوضح أن المكروه هو ناتج خلافات عنيفة بين حياة الناس والعاصفة. أما الآن فهو يتكلم ، محتجا ، بصوت عال: ـ يا إلهي لماذا أرسلت العاصفة إلينا ..لماذا مات جدي ..وجدتي.. وخالي.. لماذا..؟ قفزت الكلمات بقساوة إلى مسمعي ومسامع الحاضرين جميعا، فرد صالح الزبيري : ـ أنها رسالة .. رسالة العاصفة إلى الناس أجمعين. من عادات الحديث المعتمدة من قبل صديقنا صالح الزبيري ولوعه بالصور العقلية يقدمها لنا كلما دخلنا معه في جدل أثناء فراغات الدروس التي غالبا ما كنا نقضيها معا في كافتريا الجامعة طيلة السنوات الماضية . أعتاد أن يسخر من كل شيء إلا العقل. كان يحب الشعر المتشائم بل يكتب فيه. لذلك شعر بنوع من الاختناق داخل المستشفى لأنها كما قال تبعد عقولنا عن أحياء المدينة وأشياء العاصفة. على حين غرة قام عبد الله بوثبة من مكانه معلنا: ـ العاصفة ليست سوى حالة من الحالات وهي حالة زائلة. قلت له : ـ لكن ضحاياها من الناس كثيرون ومن الأشياء ثروات لا تقدر بثمن. . نهض من مكانه متراجعا إلى الخلف مفسحا المجال لصالح الزبيري لمغادرة المكان، بشيء من العصبية رد بالقول: ـ هي حكمة التاريخ والقدر .شاءا أن تأتي العاصفة متفاوتة في زمانها ومكانها كي تفنى مدن بأكملها ويفنى بعض مـن أهلها ، كي تمتلئ المستشفيات بجيل من المرضى والمعوقين والمشوهين. شعرت أن هناك كلمات حق لا أستطيع تجاهلها، بل لامناص من قولها: ـ ما حدث في مدينتنا هو جزء من مشكلة الشر في العالم . ما حدث لعامر أبن سعيد ليس سوى وهدة من شر..ما أكثر الوهدات النازلة على كل واحد منا ..أنني موقن بأن ما حدث ليس قدرا، ولا هي أرادة العاصفة ذاتها .بل هي عمل من أعمال الشيطان الموجود في إلكترون العاصفة. لم يتوقف جدل المتجادلين أمام فاطمة إلاّ بمفاجأة النبأ المنتشر في كل أرجاء المدينة أن الطفل الراقد تحت الأنقاض عماد أبن امرأة يوسف قد أخرج حياً. بعد حينٍ خرجت فاطمة بنت بلال من المستشفى تحمل مسئوليتها في الوفاء لحبيبها عامر أبن سعيد، شاعرة بأن لها ، بعد الآن ، معنى كبيرا في مدينة امتدت للناس أجمعين ، انبثقت حادثتها من اختيار الحب توكيدا لقيمة الحياة. البصرة - 23/4/1994
.jpg)
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق