الثلاثاء، 12 فبراير 2008

Man and Woman


كتاب عراقيون - طاهر عبد مسلم Guest Writer*

رجل وامرأة

خطى على الثلج ...وكان الأثنان يسيران في موكب ابيض ، عالم بلا ضجيج اختصر فيه اصطخاب التتابعات اللونية الى بياض، وهكذا راح الأثنان يختصران الزمن المنسكب على ندف الثلج المتساقط ، لم تكن هنالك غير اشباح اشجار جرد والأثنان بعصيهما الأربع وخطاهما القلقة يجوبان براءة الشتاء ويتحسسانه بصمت ، تمرق فجأة جوقة كلاب تسحب عجوزا على زلاقة ، تنظر العجوز بتساؤل الى الأثنين السائرين بينما الشمس المتقهقرة تسحب بقايا احمرارها على البياض الغامض ، ظل المشهد منسابا تجلله موسيقى هادئة والشاشة يغطيها المشهد الثلجي. قال في سره : يالنظرة تلك المرأة الغريبة . ولاحت له خطوط التجاعيد التي طرزت الوجه المحتقن ، تأمل الرجل السائر على الثلج الوجه الشارد لفتاته ، استغرق في متابعتها بعد لحظات وهي تسحب قدميها من حفرة ثلجية وهما يبتسمان ( ثم سؤال يراود الرجل وهو ينظر في عيني المرأة : ترى لم يهاجر الأولاد مثل عصافير رخوة ... وينخرطون في ثلج الذاكرة ، يدسون دفاتر الأيام الساخنة في جليد الغربة والقلق .. ولا يبقون الا آثار عناق وذكرى وتأوهات ؟) . كانت هي تثبت الأزرار على القماشة بينما هو يحملق من خلال زجاجتي نظارته في اجابات الطلبة ويقطع النظر بين حين وآخر الى ذلك الكوكب الثلجي القائم على الشاشة .كان الهدوء يلف جلستها بينما المطر ينهمر على الزجاج ، كانت هنالك مدفأة بخطوط حمر اربع تشع دفئا بينما هو منشغل بالكتابة ، كانت غريبة تماما بعينيها الخضراوين الواسعتين وخصلات شعرها الأشقر الذي تسلل من تحت شالها الأسود ، كانت تفرك اصابعها .. قال : القلق جزء منا ، لكن سيتوقف المطر وسيعود السائق وتكونين في المنزل ، كان هنالك كلام عن المجهول .. عن اناس في الخارج تجهلهم ولكنهم يرصدون وجودها في المكان . وجدته انسانا جادا وعمليا ، طموحه بلاحدود وسمرته لافتة للنظر ، قامته طويلة وأناقته ووسامته واضحتان ، تتذكر تلك النظرة الذكية التي تغور في عمق الذات ، ارتبكت امامه ووجدت نفسها لأول مرة محاصرة بأنوثتها بعد سلسلة من الوجوه التي ارادت الأقامة في عالمها .. المجهول .. وجوه شباب نقلوا لها اعجابهم بها .. اما هو فقد كان لوجوده اكثر من صدى ، له نظرة ذكية ثاقبة ، يتوقف قليلا ثم يمسك قلمه ويستغرق في الكتابة فيما هي تنشغل في متابعة رجل جدير بأن تتأمله امرأة باهتمام ، كانت قبالتها صورة جميلة له وهو يقف بثقة على فضاء ثلجي ... لم تشأ ان تسأله ابدا اذ كان الحوار متصلا وغريبا ، في دفتر عتيق ثمة صورة للأب منخرطا وعلى هذا فسر لها الحرية . وفي ورقة صفراء كان اشتراك الأب شابا في حركة ثوار العراق ... وفي عقد زواج التحم الأب بكائن بيولوجي اسمه امها ... وقذفاها الى لجة الترحال من محافظة بعيدة الى مدن تحاذي بغداد وهاهي في قلب بغداد في غرفة تجثم على سطح بغداد ، يختصر المكان فيها ... هذا الفتى ... ابتسامته الغامضة وامتداد ذراعه الواثقة واصابعه الناحلة ، تمنت في سرها لو رافقته في تلك الرحلة الثلجية . قال لها : مدي يدك .. عبر النافذة ، انها ندف الثلج .... ولكن لم تكن هنالك ندف ثلج بل كان هواء باردا فحسب ، هزت كفها مرات عدة فلم تقبض غير الريح الباردة ، ولهذا عادت الى المدفأة ذات الخطوط الحمر الأربعة وما ان اقتربت حتى تحرك السلك وانفلت وبدأت الخطوط الحمر تخبو تدريجيا حتى خفتت ، عندها همست هي ( لقد انطفأت نار المدفأة ) ، جاء بمعطفه البني ، ينظر كعادته نصف نظرة نحوها ، ينحني ، يمد يده لزر الكهرباء ، يسحب السلك ، يدخله في الكوتين السوداوين ، ينحني ، تحسه قريبا تماما ، تسمع تنفسه ، سيشعر بوجودها المحاذي وهي سترتبك ، لكن شيئا ما يجري ، شيء بلا حدود ولانهاية ، امر يتعلق بالدفء وصورة الأكف الأربع في بوستر كرنفال في قمة اسكندنافية . قالت : اتمنى ان ارى ذلك المكان ، تلك الفسحة البيضاء الناصعة ، انه حلم يراودني ، ترتدي امرأة حمقاء مثلي بدلة بيضاء الى جانب رجل احمق ببدلة بيضاء على كون ثلجي ، انني ارى كل شيء حقيقيا وأتحسسه دوما وانت تردد : افتحي النافذة فقد جاء الثلج ، قالت الأنواء الجوية وقال المذيع سيجيؤكم الثلج وأكد الوزير القصة ، افتح النافذة مسرعة ، وهناك على تلك القمة الغريبة سيتبدل كل شيء عندما تمر امرأة ما ، عجوز ، وجهها مطرز بالتجاعيد ، ستمر بالقرب من ذلك البياض وستحاول ان تجرني بعيدا عنك ، مرددة .. لست له ... لست له ... لم يشأ الرجل في افادته بيان اسباب وجوده وسط ذاك الجليد الأسكندنافي واجتماعه بها ... ولا لم كذب الوزير .. لم تشأ المرأة ان تفصح هل انها ( انتمت الى الحركة ...) ولم هي هنا .. الآن ... المطر وحده بعثر فكرتها وجعلها تلجأ لأقرب مكتب في تلك العمارة ... السائق ماهو الا الحوذي الذي يبدو في البوسترات المعلقة في المكان ، الفتى يتحول فجأة الى رجل بفحولة تعيدها الى ربيع الثورة وسخونة الأحداث .. ظلت في جلستها تنشج بهدوء فيما هو مستغرق في الكتابة ... كان السائق قد طرق الباب ودخل ... قال له :.. لك ان تقلها الى منزلها ..الآن. نهضت .. وأحكمت ربط ازرار معطفها وودعته .. ... كان دخول الحوذي تحولا دراماتيكيا اعادها الى الواقع .. واقع شوارع بغداد المبتلة المهجورة .. كان منزلها هادئا في ذلك الشتاء البعيد .. ينحدر رجل ما .. وقور .. عبر جسر حديدي بارد ، يقف قبالة الباب وهو متلفع بمعطفه الرمادي ، ينظر عبر الزمن الى زجاج مشبع بالبخار ، كان هنالك دفء غريب خلف الجدران ، كانت هي في ثوب ابيض ، هناك عبر نافذة باردة ، عندما فاجأته امرأة طرزت التجاعيد وجهها متسائلة : من تريد... وماذا تريد ؟ كان قد مر كل شيء ، هو مستغرق في ذاك الخيال .. وهي تنتظر الرحلة الى القمة الثلجية البيضاء ، هو يزن كل شيء بميزان ، وهي ندية طيبة عذبة ، هو منهمك بالكتابة ، وهي تتحرق شوقا لسقوط الثلج ليتسرب الدفء اللذيذ بعدها ، لكن لم يسقط الثلج ولم تكن غير الريح ... .. كانت هنالك من تهز الرجل لأيقاظه ، يفتح عينيه ، ثمة امرأة قد طرزت التجاعيد وجهها ، فيما كان الفيلم قد انتهى واكتظت الشاشة بتشويش غريب ...
بغداد 1989

ليست هناك تعليقات: