الأحد، 3 فبراير 2008

The mersy killing


كتاب عراقيون وعرب - مصطفى سكر

القتل الرحيم ! ..

كتبها لكم : مصطفى سـكر

أطل الرأس الكبير معلقا فوق معطفه الأسود الفضفاض ، فإنزاح ما بالبحيرة من قلق وريبة وحيرة ، إنغمر شاطئيها بما فاض .. تصعد الرأس المنصة ، صاح صوت بإنتفاض .. - الجميع وقوفا .. نعم ، ليقف الجميع إحتراما للعدالة التي يمثلها هذا القاض .. رأس كبير مقعر بصلعة لامعة ، تشبه "الملعقة" التي سرقتها العوراء من صالة طعام السجن ودستها بين أثدائها ، ثم شحذتها على أسمنت أرضية غرفتها ، وصارت تهدد من يعارضها ، ببقر بطنها وأكل بيويضاتها المدلاة مثل عناقيد العنب في مبايضها ، في إنتظار شاغف لجحافل الملايين السابحة لحيامن تقذفها أنابيب السجانين في ممراتهن اللزجة التي تفوح منها روائحن الكريهة ! .. الرأس الكبير خبير في القضايا الشائكة ، التي تنجم عن إحتكاكات البشر وتجاوزهم على حقوق بعضهم البعض ، في غابة بشرية متوحشة لا يردع قاطنيها إلا ، قانون صارم وضعه جهابزة غابرين ، ليعطي كل ذي حق حقه .. بعد أن إستوى الرأس الكبير على المنصة ، دق المطرقة .. فإنبجزت أعيرة الألسنة النارية التي كانت جاهزة للحظة البدء ، في سباق محموم تعدد فيه التجاوزات التي خرقت القانون ، وتقرب رأس من تجاوزه إلى طوق المشنقة .. المرأة في النصف الأول من الخمسينات ، ماثلة في القاعة أمام الرأس الكبير ، تجلس منتصبة بأعصاب صلبة ، راحتيها على المنضدة أمامها ، ناظريها تتحركان بهدوء بين ديكين شرسين يتصارعان ، الأول محام عينته المحكمة للدفاع عنها ، والثاني مدع عام يقارعه ، كان الديكان يتصارعان في تناوب منظم ، طرف يحاول إبعاد شبهة التواطؤ ويطلب البراءة ، والآخر يسحب أدلة الإتهام واحدة وراء الأخرى ويطالب بأقصى العقوبة ، حرارة المشهد تذكرك بإذاعة حلقة من حلقات برنامج "الإتجاه المعاكس" الذي يذاع من قناة الجزيرة ! .. المرأة الخمسينية إعترفت بكل وضوح في التحقيقات ، بأنها ضعفت وتجاوبت لطلبات أربعة من المرضى كبار السن في لحظات إفاقتهم من غيبوبة التخدير لأمراضهم الميئوسة ، وقامت بتخليصهم من آلامهم المبرحة ، وأنكرت تماما تهمة القتل العمد ! .. لكن الإدعاء إستجوب زميلات لها وأطباء ، كان يستدرجهم لتوضيح إدانتها ، فإستدرجوا وتسابقوا على تشريحها بألسنتهم ، التي صارت تشبه طعنات المدى الحادة لبقرة سقطت ! .. لم يجد المدعي غير نعوتا مفزعة ينعتها بها مثل .. - إمرأة شريرة مصاصة للدماء ، عديمة الشفقة والرحمة والإنسانية ، وتفتقر إلى سمو الروح الآدمية ، وضعت نفسها فوق القانون ، ونفذت قانونا خاصا بها .. حين إخترقت هذه النعوت طبلة أذنها ، إنتفضت جزعا ثم سهمت ، إتكئ عقلها المنذهل على شواطئ حزينة ، لا يلوح في نهايتها أى بصيص ولو ضئيل من ضوء الأمل .. أهذا المصقول المتأنق المتفيقه المشمئنط ، الذي لا يعرف إلا بيته ومكتبه وناديه ويخته ، يعلم معاني الشفقة والرحمة والإنسانية والآدمية ، التي يكرر نثرها على الرؤوس متعمدا ؟! كأنه يكرر إعلانا تلفزيونيا مملا يغوي به المشاهدين ، كل فترة وأخرى ، ويفسد به فيلم السهرة الذي يتابعونه ؟ .. الشفقة والرحمة والإنسانية والآدمية ، كلمات ثقيلة ، حين إقتربت من فوهة ذاكرتها هوت بتقاقلها إلى القيعان فتشظت وتناثر شظاها نثرات شفافة باردة كالندى ، أيقظت غفو سنواتها الخضراء التي أضاعتها متطوعة في خدمة الإنسانية مع منظمة مشهورة عالميا ، تسمى منظمة أطباء بلا حدود ! .. الشفقة والرحمة والإنسانية والآدمية هل عرفها هؤلاء ؟ هل رأوها بعيونهم ؟ هل تعاملوا معها فعلا ؟ أنها ليست كلمات جوفاء متقعرة تطلق في الهواء بزفير حار ونظرات حادة وحركات بدنية ، كالتي يقوم بها الممثلون على خشبة مسرح هزلىّ .. لو عاش هؤلاء ولو أياما معدودة في ميادين تحولت فيها جموع البشر ، إلى قطعان حيوانية يفتك القوىّ منها الضعيف ، في مجازر يندى لها جبين الشيطان نفسه ، لعرفوا معنى هذه .. لو شاهدوا الجثث الآدمية التي كانت تأتي أو ما بقىّ منها إلى المستشفيات الميدانية ، أوصالا ممزقة ودماء نازفة وملامح مشوهة ورائحة عفنة ، تصرخ كتلة ألسنتها بلغات غريبة غير مفهومة ، وقد خبرنا أن نميز إستغاثة الملهوف بأى لغة كانت ، نستميت في إسعافه وإنقاذه ، رغم علمنا أنه لو وهبت له الحياة مرة أخرى ، فسيعاود ذبح أخيه على الجانب الآخر من خط الشقاق .. سنينا وراء سنين قضتها متطوعة في خدمة الإنسانية ، عاشت مجازر قبيلتيّ الهوتو والتوتسي في الكونغو ، وبين ضحايا حرب الشمال والجنوب بالسودان ، وعاصرت التطهير العرقي للبوسنيين في البلقان ، وحين عادت لبلدها بعد زوال زهرة عمرها ، تتهم بأنها عديمة الرحمة والإنسانية ! .. تسمع أقوالا من منصة الشهود لرئيسة التمريض العصبية المزاج التي تشبه "البلدوج" ، والتي تفوح من مطفأة حنجرتها الروائح البغيضة لسجائرها .. - نعم تطرق شكي في تصرفاتها ، أبلغت الدكتور(ف.ب) والدكتور (م.ك) بشكي هذا ، وكانت النتيجة أن علقت إدارة المستشفى عمل الطبيبين وطاقم التمريض إلى أن يتم التحقيق .. وصرح الطبيب النفسي المختال الذي يمشي على الأرض ملكا بصوت متقعر .. - تحليلا لشخصية السيدة يمكننا القول ، أنها مريضة ب"العجرفة والتسلط " وأن هذين لعبا في حياتها دورا أساسيا في إقدامها على جرائمها .. علت وجهها غيمة حزن قاتمة ، ونزفت عيناها دموعا حارة إنسابت في حارات حفرت في بشرتها الخمسينية ، بفعل إنهيارات صخورية لجبال المسؤولية ألقيت على عاتقها وهى مازالت شابة يافعة .. تتذكر أمها الواهنة في مرضها العضال ، وتتذكر لامبلاة والدها الأناني الذي لا يفيق من السكار ، وتتذكرأخوتها اليتامى الذين تركوا مثل قطط صغار .. لم تنسى كيف كانت تذهب سيرا على الأقدام إلى المستشفى الذي تعمل به ، حتى توفر أجر المواصلات لتنفقه على البيت ، لم تنس كيف كانت تسهر الليل لمساعدة أخوتها ، في واجباتهم المدرسية أوطبابة مريضهم أو تجهيز متطلباتهم لليوم التالي حتى لا يتعثروا .. كانت السنون تترى والعمر يمر والشباب يذوى ، لكنها لم تهتم بغير تربيتهم والمحافظة بإستماتة على قوائم البيت حتى لا ينهار .. - " العجرفة والتسلط" وأن هذين لعبا في ...... أخطأ طبيبكم النفسي في تشخيص حالتي ، فما سماه العجرفة والتسلط ، ماهو إلا الدقة والحسم ، فلولا دقتي مع تصرفات أخوتي في مراحلهم السنية المختلفة ، وحسمي في الأمور المصيرية التي تحتاج عزما وشدة ، لما نجحوا في حياتهم الدراسية والعملية والزوجية .. ترقد أمها على فراش الموت هزيلة ضعيفة تنفرم ألما ، تتوالد الأورام في جسدها ، كما تتوالد الأرانب في جحورها .. الأرانب تتوسع بحفر أنفاقا جديدة تحت إتساع الأرض ، لكن أرانب السرطان تتوسع على حساب الأعضاء البشرية الحيوية السليمة فتخنقها ، ثم تفتق الغلاف الخارجي للجسد و"تبظ" خارجه منه كحمم البركان الذي ظل يعتمل طويلا تحت قشرة الأرض .. أجهزة طبية كثيرة أخترعت أفادت البشرية ، لكنهم لم يخترعوا بعد جهازا يقيس شدة الألم التي يعاني منه مريض الأمراض الميؤوسة ، الناتجة عن تمدد الأورام وخنق وقتل الأعضاء البشرية الحيوية السليمة بجسد الإنسان .. هل جرب أحدا من هؤلاءالألام المبرحة لصعوبة البلع ، أو عسر الهضم ، أو إحتباس البول ، أو توقف الكبد وفساد الدم ؟ .. يتأوه المريض من شدة الألم ، لكنه يعجز عن وصفه ، العيون وحدها هى التي تفصح عن كم العذاب الذي يلاقيه ، كانت ترى ذلك في نظرات العيون الذابلة لأمها الممتلئة بالدمع الذي ينساب لاإراديا من مقلة عينيها ، وقبل أن تودع همست في أذنها بلسان يابس نبتت على نتوءاته نباتات شوكية مؤلمة أدمت كلماتها التي كانت تجرها جرا لتخرج من فمها ذي الرائحة العطنة .. - أوصيكي بأخوتك ، لا تت رك ي هم .. وضعت أمها الطوق الحديدي حول رقبتها ، الطوق الذي تلبسه كل الأمهات برغبتهن كما طوق الحمامة ، لم ترفض ، ولم تتملص ، ولم تتقاعس في تنفيذ وصيتها ، أخوة صغار بنين وبنات ، بحاجة لأم ، وإن لم تكن الأم دقيقة وحاسمة وليست لاهية ، فعلى الدنيا السلام .. في قسم الأمراض المستعصية حيث كانت تمرض ، إلتقت بمن يشبهون أمها أربعة مرات ، نفس العذاب ونفس الشقاء ونفس الآلام ، ونفس الألسنة ونفس نظرات العيون الذابلة الدامعة الصارخة .. - أرجوكي خلصينا من العذاب .. وقتها دار في خلدها سؤال جوهريّ ، ماقيمة الحياة لهؤلاء ؟ .. كان الجواب يأتي واحدا كل مرة لا يتغير ، الحياة هى الحلم ، فإذا مات الحلم مات الأمل ، والأمل هو أكسيرالحياة ! .. إن كبر الإنسان وخرج من المنظومة الإنتاجية للمجتمع ، إن رحلوا عنه الأولاد وإنشغلوا بحياتهم ، إن أصيب بمرض عضال لا شفاء منه وأصبح عالة على الغير ، فقد مات أمله ، أليس كذلك ؟! .. إتهامات تلقى وأدلة توضح ومعلومات تدلل بحجج وبراهين ، سباق محموم يجري في القاعة لإدانة الفريسة ، البقرة التي سقطت .. نظراتها تزحف ببطي فوق الوجوه المستنفرة ، تحاول إستقراء ما بداخلها ، بماذا يشعرون ، وبماذا يفكرون ، وعلى ماذا يخططون ؟ .. كانت تتعجب من سفه ما يقولون ، تتعجب كيف يستعصي عليهم فهم الظروف ، يستميتون في الدفاع عن فقرة وجدت في قانون قد من حجر ، قانون جامد لا روح له ولا عقل ، لا رأفة ولا حنان ، وضع لعتاة المجرمين الذين يعتدون على الأبرياء ، ولم يضع لمعاقبة من يعمل معروفا أو يستجيب لسائلا أو يعين محتاجا أو يريح ميؤوسا ، إذا توسل بدمع عينيه .. أليس الأولى بدل أن يتنطنطوا داخل القاعة ، هذا يقوم وهذا يقعد ، هذا يتكلم وهذا يصرخ ، هذا يتهم وهذا يدحض ، أن يقوموا بزيارة لقسم الأمراض المستعصية ليروا بأم أعينهم معاناة الميؤوسين ، ليعلموا "ما قيمة الحياة بغير أمل" لمن يرقد على سرير لشهورا طويلة في غيبوبة بفعل مخدرات الأدوية التي يزرقونه بها ، لو حالفهم الحظ وحضروا مريضا لحظة إفاقته ، لتوسل إليهم متذللا أن يرحموه ويخلصوه من عذاب شقائه ، بعد أن إنطفأ أمله .. من فوق المنصة العالية ، دق الرأس الكبير المقعر بمطرقته ، هدأت القاعة وران هدوء رهيب إحتبست فيه الأنفاس ، ظلت الأبصار شاخصة ، الآذان مطرطقة ، الهمم متحفزة ، الثواني تمر على الحاضرين كالدهور .. علا صوت القاضي بنبرة قوية موجها سهام نظراته إلي وسع عينيها .. - حكمت المحكمة حضوريا على المتهمة المتسببة بموت أربعة أشخاص ، بأن رزقت لهم جرعات طبية من عقار يؤدي إلى الموت في ثوان ، بأقصى عقوبة ممكنة ، وهى السجن المؤبد ، لأنها وضعت نفسها فوق القانون .. حين نهضت أمسك الحراس بها لقيادتها إلى السجن لتنفيذ الحكم ، سمعت صوتا يدوي جنب أذنها كقذيفة مدفع .. - ما تعليقك على الحكم ؟ .. أجابت بغضب وبقرف .. - إنه سوء فهم سخيف ! .. أثناء جرجرتها خارج المحكمة وسط حشد الإستطلاعيين ، تراءى في مخيلتها منحوتة تمثال لجهبز من الغابرين ، يقف على مدخل متحف باريس ، التمثال يقف مهيبا منتصبا في مواجهة الداخلين ، لكن العجب أن صانعه وضع فوق رأسه فردتيّ حذاء ، تذكرت دهشتها يومئذ لغموض المغزى .. لكنها الآن فهمت فرفعت رأسها لأعلى ، وتبسمت ! .. ............ ( القصة إنتهت وتصبحون على خير ، مصطفى سكر ، جدة ، 7/7/2007م ) ............

هناك تعليق واحد:

arabicshortstory يقول...

الآن يافرعون ! ...


مصطفى سـكر


يرقد أمامها على فراش المرض ، فراش موته ، شاحبا وواهنا ومسحوبا ، ينازع سكرات الموت
في صمت ، لا يصارعه ، فالموت ثور أسبانيّ مجنون ، يطعنك بنصل لاهث بالقرون ، يطعن ولا يمازح ..
كنت تملأ الأرض ضجيجا ، صخبك لا ينقطع ، شكواك لا يهدأ ، رغباتك لا تقنع ، جشعك لا يشبع ، تسعى لإمتلاك الدنيا وما فيها ..
يوم تعرفت عليه ، أو تعرف عليها ، كان في الحضيض ، صعلوكا من ملايين الصعاليك التي ترزح تحت الخط ، لا يجد سكنا معقولا يتاويه ، ولا عملا ثابتا يدعمه ، ولا لباسا مناسبا يستره ، ولا لقمة مشبعة يسد بها صراخ معاويه ..
كان صعلوكا متنطعا في حواري الحىّ ، هذا الذي لا يصح أن يطلق على من يقطنه أنه حىّ ..
كل سكانه من الغلابة المساكين ، فقراء معوزين ، يكملون بنومهم عشائهم ، لكنهم في النهاية قنوعين ، وأوادم طيبين ..
يوم تعرفت عليه كانت وردة عبقة ، تعيش مع أمها وأختها في بيت كبير ، بعد ترملها من كهل عجوز ، تركها ورحل ، وترك لها شركة وأموال ..
بذلت كل ما عندها من جهد لتدير هذا الصرح ، لكن إدارتها كانت غير كفؤة ، فبدأ الصرح يتهاوى ، وبدأت هى تترنح وتبحث عن جدار تستند عليه ..
ظهرت فجأة أمامها ، كالعفريت الذي يطلع من عتمة الليل ، لعائد مجهد بعد يوم عمل شاق ، يتحلم بالراحة والأمان ..
أوهمتها أنك الولد الذي تنتظره البلد ، وأنك قادر على رفع البنيان بغير عمد ! ..
وثقت بك ، لأنها مجهدة وما تعودت تخوين أحد ، وبدأت تسندك وتدعمك وتشجعك وترفعك ، بل تزوجتك ..
أعماها الحب ، والحب أعمى ، فلم تلحظ نقوصاتك ، ولا ألاعيبك ، ولا دناءاتك ، التي كنت تخبئها تحت عباءاتك ..
إستحوذت على عقلها وقلبها ، وإستحوذت على شركتها ومالها ، وإستحوذت أيضا على حب أمها وأختها العذراء التي تصغرها بعشرة ..
ترقد الآن أمامها على فراش المرض ، على سرير موتك ، شاحبا واهنا مسحوبا ، تنازع آلام الموت بخفوت ، وتتمنى في نفسك ألا تموت ..
تنظر إليك متحسرة ، ترفع بصرها للجدار ، حيث صورتك البهية داخل الإطار ، ونظرتك التي تشي بالكبر والإنتصار ، وبسمتك الوقحة ، صممت أن تعلقها في غرفة النوم ، لتنام وتصحى على طلتها ، إعتقادا بأنها ستمسح كل الصور التي تعاقبت عليك ، حافيا عريانا معدما جوعانا ، ثم أفاقا نصابا ..
دخلت علىّ بالحنجل والمنجل ، لعبت بالبيضة والحجر ، فإنفتحت لك مغاليق ما كنت تتحلم بها أو تأمل ، فركبت المصاعد ، وقدت السيارات ، وسكنت القصور ، وأدرت الأعمال ، وأصبح لك حضور ، ولقب مشهور ، وإنتقلت من الظل إلى النور ، لكن للأسف ..
لم تحافظ على ملك أتاك ، كما يحافظ الرجال ! ..
في تململاتك الأخيرة ، وددت أن تكفر عما إقترفته يداك ، فنظرت نحوها بعينين مثل حبتين جافتين ، وأنبست ببعض كلمات واهنة كخيوط العنكبوت ..
ـ أرجوكي سامحيني ..
لم ترد عليك ، كانت ملامحها جامدة ، مثل نبتة إنقطع الماء عنها ، وكنت لا ترى إلا نظرات إستهجان ، سهاما طائشة ، تخرق بدنك وترشق في جسدك المنهوك ..
فجأة تحركت قليلا من سكونها ، قبضت على يدك ، إعتقدت يامسكين أنها حنّت عليك ، فتشجعت وقلت ..
ـ أخطأت فيكي ..
زادت قبضة يدها تعصرك ، فلم تقدر حتى على ترف التأوه ..
أخذت تحرك رأسها في جوانب الغرفة ، لتتحاشى النظر إليك ، وتتمنى من صميم قلبها ، أن تصمت ، ولا تكمل أخرياتك ..
ـ خنتك مع أعز صحباتك ..
أغمضت عينيها ، أخذت تهز رأسها متألمة ، وتصر على أسنانها ، فصدر صوت يشبه صرير درفة شباك مفتوحة يهزها الريح ..
ـ (بعيون تدمع) وخنتك مع أختك ..
أسرعت بترك يده ، وضعهتما على أذنيها ، وأغمضت عينيها ، وقالت في ظلمتها لنفسها ، ليته يرحل قبل أن يكمل ..
ـ ( يبكي بحرقة رافعا صوته المتحشرج) وخنتك مع أمك ..
يرتج جسدها من ألم إعترافه ، يعلو صوت نحيبها ، تحرك رأسها ذهابا وجيئة متألمة ..
ـ أعرف أني أخطأت في حقك ، نادم على ذلك ، أرجوكي سامحيني ؟ ..
إنخرطت في البكاء وعلا صوت نحيبها ، كل شيئ يعلو يهبط وكل حريق يتوهج يخبو ! ..
خبا نشيجها وعويلها ثم تلاشى ، سحبت عدة منايل من علبة الكلنكس ، مسحت عبراتها ومخطاها ، وبعد أن هدأت تماما ، رجعت تقبض على يده ، تعانق ومضات عيونها ، جسده اللاهث الذي أفرط في تجميل حلمه المذعور ، نطقت بثقة وحزم وبتروي ..
ـ فعلت المستحيل لتخفي عني دناءاتك ، كنت تعتبرني غافلة عن كل خطيئاتك ، لكني .. كنت أعرف ، كنت أعرف ، كنت أعرف ، وكنت أمنى نفسي أن تعلن ندمك وتوبتك وأنت في كامل قوتك ، أمهلتك وصبرت عليك ، لكنك للأسف لم تفعل ، والآن ، وبعد أن سرى السم في بدنك ، تطلب عفوي وغفراني ، ءالآن يافرعون ؟! ...