قصة ، من : فاطمه الناهض Guest writer*
اذ رأيت شمّة واعتراني ما اعتراها.
________________________________________
الظهيرة ...هي ما أتذكر.
حيث كنا نلوب في السكيك مثل الغجر، وكأن لا أهل لنا يبحثون عنا فى هجير يوزع نفسه على الرمل الساخن وجدران البيوت...فى عدالة مثيرة للضجر.
تلك الظهيرات الكسوله التى نجر فيها خطواتنا المتثاقلة عبر دروب ترابية ضيقة تتفرع حول البيوت أنهارا سخيه من الرمل القاحل..فيما تكون الشمس قد أخذت نصيبها من هذياننا المطلق.
ثيابنا التى تبدو كما لو أنها خرجت للتو من أفواه قطيع نشيط من الأغنام..تفضح غزوات نصف النهار على سدر فقير ونخل أشد فقرا.وربما مطاردات دؤوبه لكلاب تخاف منا ولا نخاف منها،تلك الكلاب الضالة التى نلعب معهابعيدا عن البيوت وندّعي أننا أغتسلنا سبع مرات من نجاسة لعقها لوجوهنا وأيدينا،ونحن نحلف أغلظ الإيمان بأننا ربتنا على رؤوسها فقط، أو أكتفينا بالنظر إليها من بعيد وهى تلهث فى الصهد مثل كائنات منبوذه..تبحث عن ظل خلف الحوائط وتحت الإثل وأشجار لوز عجفاء لا ندرى كيف نمت فى هذا القحط الأشد مهارة من أي محاولة آدمية للحياة.
لم يعبأ أحد حقا لماذا كانت شمّه دائما خلفنا، لماذا تركض في تلك الظهيرات كأنها ولد نحيل وجديلتها السوداء..تشطر الهواء وراءها وهي تسابقنا إلى الدكان الوحيد ، أو البيت المهجور، او حتى جبل الحصى الصغير خلف المسجد.تقبّلناها كواحد من الصبية لأنها كانت تشبهنا، عفّية وعداءة ومجنونة مثلنا..حتى فى حبّها للكلاب الضالة وتسلق الأسوار والركض حافية على الرمل الساخن.بل ان اللعب لا يكتمل الا بحضور شمّه،التى لم يفكر احد منا انها ليست ولدا..ولا مرة واحده..وهو يدفعها او يقع فوقها فى عراك او حتى وهو يشد جديلتها الفخمه..لتسوية نزاع.
لكن يوما أتى ليعلن أنها بنت..ولا تشبهنا أبدا أبدا
إفتقدناها جميعا ذات صباح غائم
،وحين سألنا عنها مرة أو مرتين جوبهنا بتلك الشراسة المعهودة فى الأهل حين يتعلق الأمر بالبنات..البنات اللواتي يكبرن فجاة على اللعب لمجرد أنهن لن يستطعن الركض دون أن ترتفع صدورهن وتهبط ناشرة الفتنة والضياع وخيوط اللعاب على وجوه المارة و طالبى القرب.
لكنني رأيت شمَّة.
رأيتها وحدث لي ما حدث لها.قفز قلبي ولم أدر أين حط.ولم اعد قادرا على الكلام او اعرف لماذا طرقت بابهم تلك الظهيره..كانت غرّتها تقف عند هلالين بديعين يرتفعان فوق رموش ظليلة فاحمة لعينين لم ار مثل عسلهما منذ جئت الى هذا العالم..وبدا انفها الصغير الرقيق شامخا اعلى شفتين محمرتين وبين وجنتين صافيتين كخزف صينى باهر..
هبطت نظرتي الوجلة الى الارض..لكنها مرت قبل ذلك على بساتين وكروم ..وكان قلبي يرتجف عند قدمي، حين همست بأجمل صوت تستحثني على المغادره،وتضع فى يدي قبضة من اوراق الليمون!
وأنا غادرت ساهما. ويدي مطبقة على الأوراق..ولم أقل شيئا..
حتى أني تركت قلبي هناك ولم أجرؤ على اخذه معي،وعدت الى بيتي مباشرة فى تلك الظهيرة الظالمة لا أعرف ما بي وما الذي جعل شمّة تفوح بالحنّاء هكذا والليمون الاخضر ،وتستدير كفاكهة نادره،..
كيف اصبح شعرها ناعما فجأة ورموشها وارفة وعيناها بلون العسل..وهى التي كانت حنطية نحيلة غبراء حافية بجديلة تركض فى الهواء بلا اتجاه.
لم يعد للعب طعم..للظهيرات شغف..للكلاب أهميه..للعدو معنى..كأن شمّة أخذت معها كل شيء الى بيتها.وتركتنا نصطدم ببعضنا كاننا فى مكان مزدحم..
وأنا ايضا..حدث لي ما حدث لشمّه على ما أظن..بعدها بقليل..لكنني لم أصبح في مثل حسنها ورائحتها الزكية وحمرة خديها...بل انني شمخت ذراعا،وصار انفي مثل عرنوس الذره،فيما استطالت يداي وذراعاي باتجاهات لا علاقة لها بجسدي..واستحالت وسامتي الطفولية الى شيء لا يمكن الخروج به حتى لمطاردة الكلاب.
واحتلّت شمّة فوق كل هذا الضياع ظهيراتي والليالي.. بل أننى حلمت بها مرتين..وجربت حتى أن أدخّن فى غفلة من الأهل، وانا أستحضرها بين الدخان الأزرق وسعال المبتدئين.
بعد أن حدث لي ما حدث..لم تعد زيارة شمة ممكنة ولا لأي سبب..ليس بهذا الطول على أية حال .ولا هذا الوجه!.
ثم جاءت المعجزه.جاءت بقدميها.وانا مرابط فى غرفتي لا اخرج الا لضرورات ملحّه، بعد ان تركني الاهل وشأني،ريثما يكشف الرب هذه الغمّة التى اسمها الرجوله،ويحنّ علىّ بسماحة الوجه وتناسق الحركات!
اقول جاءت المعجزة بقدميها..
مرضت أمي وعادتها شمّة وأمها..وانا وكما لايجدر برجل أن ينظر الى أنثى لا تحق له، لم أنظر من شق باب ولا ضلفة نافذه موروبه..بل مررت على أكوام من السواد فى طريقي الى االأمان، كما يليق برجل يترك البيت لنساء يأخذن راحتهن..فيتبعثرن مثل ورد غض ورياحين..وتفاصيل تاخذ بالألباب..وتجرح النسيم...غير عابئات بالأنفاس التى تترصد الهواء الخارج من صدورهن ..والملبد بروائح المشموم والياسمين الهندي.. ودهن العود..
قلت فقط..: "درب..درب"..وبصوت بالكاد أعرف من أين خرج..لكنه هزّ جدران المنزل كزلزال مفاجيء.
كان الوقت عصرا..يغذ السير الى الغروب...حين خرجت هى ووالدتها الى بيتهم..
لم تكن تلك المجنونة التى تركض فى الظهيرات اللاهبه..كانت مشيتها الملفوفه بالسواد واثقة من قدرتها على لىّ الاعناق.. . فالتوى عنقي ،وهى تخصني بابتسامة..خائفه و بخيله،وتخلى عنى قلبي..وتبعها مثل كلب ضال..رمقته بنظرة حنان ذات يوم.
كنت أجبن من أن أتحرك...من أن اقول لها بأنني..مجنون بها..وأنني لا أنام إلا وأنا أفكر بأنها الى جانبي..ناثرا ورق الليمون الذى يبس على فراشي،وماض فى أيامنا البريئة فى هجير بعيد..وبرد قارس يغوص فى مفاصل الأيام...
ربما اعتمدت على الوقت،...ربما عطّلني رحيل أمي المفاجيء إلى الجنة دوني، ربما قررت ان أصبح جديرا بها أولا..ربما فكرت أنها تعرف..أو أنها ستنتظرني..أو أسرفت فى الخيال بأنها لا شك ماخوذة بي..مثلما أنا مغيّب بها.
وهكذا.. صارت شمة من نصيب غيري..ذات ليلة لم يتوقف فيها دق المعازف حتى الصباح..وتركت ذلك الضال-قلبي- يلوب فى السكيك البعيده..محاولا اجتياز معابر الخيبة المبكرة،لحب صغير لم تكتب له النجاة.
لكنني وأنا أحاول أن أتخفف من مثاقيل الحسرة كل يوم..بعيدا عن السكيك والفرجان ،وصهدالذكريات..لم أعد أعرف بماذا أدعو شمّة..وهل من المسموح أن أنظر الي غرتها أم حنّاء قدميها.أو كيف أحلم بها.. وهى على بعد حائط طيني تفوح بالليمون الأخضر والغموض،و تلتحف ظل أبي كل ليلة، بينما أتضور فى الظلام مثل كلب يحتضر.
_________________________
اذ رأيت شمّة واعتراني ما اعتراها.
________________________________________
الظهيرة ...هي ما أتذكر.
حيث كنا نلوب في السكيك مثل الغجر، وكأن لا أهل لنا يبحثون عنا فى هجير يوزع نفسه على الرمل الساخن وجدران البيوت...فى عدالة مثيرة للضجر.
تلك الظهيرات الكسوله التى نجر فيها خطواتنا المتثاقلة عبر دروب ترابية ضيقة تتفرع حول البيوت أنهارا سخيه من الرمل القاحل..فيما تكون الشمس قد أخذت نصيبها من هذياننا المطلق.
ثيابنا التى تبدو كما لو أنها خرجت للتو من أفواه قطيع نشيط من الأغنام..تفضح غزوات نصف النهار على سدر فقير ونخل أشد فقرا.وربما مطاردات دؤوبه لكلاب تخاف منا ولا نخاف منها،تلك الكلاب الضالة التى نلعب معهابعيدا عن البيوت وندّعي أننا أغتسلنا سبع مرات من نجاسة لعقها لوجوهنا وأيدينا،ونحن نحلف أغلظ الإيمان بأننا ربتنا على رؤوسها فقط، أو أكتفينا بالنظر إليها من بعيد وهى تلهث فى الصهد مثل كائنات منبوذه..تبحث عن ظل خلف الحوائط وتحت الإثل وأشجار لوز عجفاء لا ندرى كيف نمت فى هذا القحط الأشد مهارة من أي محاولة آدمية للحياة.
لم يعبأ أحد حقا لماذا كانت شمّه دائما خلفنا، لماذا تركض في تلك الظهيرات كأنها ولد نحيل وجديلتها السوداء..تشطر الهواء وراءها وهي تسابقنا إلى الدكان الوحيد ، أو البيت المهجور، او حتى جبل الحصى الصغير خلف المسجد.تقبّلناها كواحد من الصبية لأنها كانت تشبهنا، عفّية وعداءة ومجنونة مثلنا..حتى فى حبّها للكلاب الضالة وتسلق الأسوار والركض حافية على الرمل الساخن.بل ان اللعب لا يكتمل الا بحضور شمّه،التى لم يفكر احد منا انها ليست ولدا..ولا مرة واحده..وهو يدفعها او يقع فوقها فى عراك او حتى وهو يشد جديلتها الفخمه..لتسوية نزاع.
لكن يوما أتى ليعلن أنها بنت..ولا تشبهنا أبدا أبدا
إفتقدناها جميعا ذات صباح غائم
،وحين سألنا عنها مرة أو مرتين جوبهنا بتلك الشراسة المعهودة فى الأهل حين يتعلق الأمر بالبنات..البنات اللواتي يكبرن فجاة على اللعب لمجرد أنهن لن يستطعن الركض دون أن ترتفع صدورهن وتهبط ناشرة الفتنة والضياع وخيوط اللعاب على وجوه المارة و طالبى القرب.
لكنني رأيت شمَّة.
رأيتها وحدث لي ما حدث لها.قفز قلبي ولم أدر أين حط.ولم اعد قادرا على الكلام او اعرف لماذا طرقت بابهم تلك الظهيره..كانت غرّتها تقف عند هلالين بديعين يرتفعان فوق رموش ظليلة فاحمة لعينين لم ار مثل عسلهما منذ جئت الى هذا العالم..وبدا انفها الصغير الرقيق شامخا اعلى شفتين محمرتين وبين وجنتين صافيتين كخزف صينى باهر..
هبطت نظرتي الوجلة الى الارض..لكنها مرت قبل ذلك على بساتين وكروم ..وكان قلبي يرتجف عند قدمي، حين همست بأجمل صوت تستحثني على المغادره،وتضع فى يدي قبضة من اوراق الليمون!
وأنا غادرت ساهما. ويدي مطبقة على الأوراق..ولم أقل شيئا..
حتى أني تركت قلبي هناك ولم أجرؤ على اخذه معي،وعدت الى بيتي مباشرة فى تلك الظهيرة الظالمة لا أعرف ما بي وما الذي جعل شمّة تفوح بالحنّاء هكذا والليمون الاخضر ،وتستدير كفاكهة نادره،..
كيف اصبح شعرها ناعما فجأة ورموشها وارفة وعيناها بلون العسل..وهى التي كانت حنطية نحيلة غبراء حافية بجديلة تركض فى الهواء بلا اتجاه.
لم يعد للعب طعم..للظهيرات شغف..للكلاب أهميه..للعدو معنى..كأن شمّة أخذت معها كل شيء الى بيتها.وتركتنا نصطدم ببعضنا كاننا فى مكان مزدحم..
وأنا ايضا..حدث لي ما حدث لشمّه على ما أظن..بعدها بقليل..لكنني لم أصبح في مثل حسنها ورائحتها الزكية وحمرة خديها...بل انني شمخت ذراعا،وصار انفي مثل عرنوس الذره،فيما استطالت يداي وذراعاي باتجاهات لا علاقة لها بجسدي..واستحالت وسامتي الطفولية الى شيء لا يمكن الخروج به حتى لمطاردة الكلاب.
واحتلّت شمّة فوق كل هذا الضياع ظهيراتي والليالي.. بل أننى حلمت بها مرتين..وجربت حتى أن أدخّن فى غفلة من الأهل، وانا أستحضرها بين الدخان الأزرق وسعال المبتدئين.
بعد أن حدث لي ما حدث..لم تعد زيارة شمة ممكنة ولا لأي سبب..ليس بهذا الطول على أية حال .ولا هذا الوجه!.
ثم جاءت المعجزه.جاءت بقدميها.وانا مرابط فى غرفتي لا اخرج الا لضرورات ملحّه، بعد ان تركني الاهل وشأني،ريثما يكشف الرب هذه الغمّة التى اسمها الرجوله،ويحنّ علىّ بسماحة الوجه وتناسق الحركات!
اقول جاءت المعجزة بقدميها..
مرضت أمي وعادتها شمّة وأمها..وانا وكما لايجدر برجل أن ينظر الى أنثى لا تحق له، لم أنظر من شق باب ولا ضلفة نافذه موروبه..بل مررت على أكوام من السواد فى طريقي الى االأمان، كما يليق برجل يترك البيت لنساء يأخذن راحتهن..فيتبعثرن مثل ورد غض ورياحين..وتفاصيل تاخذ بالألباب..وتجرح النسيم...غير عابئات بالأنفاس التى تترصد الهواء الخارج من صدورهن ..والملبد بروائح المشموم والياسمين الهندي.. ودهن العود..
قلت فقط..: "درب..درب"..وبصوت بالكاد أعرف من أين خرج..لكنه هزّ جدران المنزل كزلزال مفاجيء.
كان الوقت عصرا..يغذ السير الى الغروب...حين خرجت هى ووالدتها الى بيتهم..
لم تكن تلك المجنونة التى تركض فى الظهيرات اللاهبه..كانت مشيتها الملفوفه بالسواد واثقة من قدرتها على لىّ الاعناق.. . فالتوى عنقي ،وهى تخصني بابتسامة..خائفه و بخيله،وتخلى عنى قلبي..وتبعها مثل كلب ضال..رمقته بنظرة حنان ذات يوم.
كنت أجبن من أن أتحرك...من أن اقول لها بأنني..مجنون بها..وأنني لا أنام إلا وأنا أفكر بأنها الى جانبي..ناثرا ورق الليمون الذى يبس على فراشي،وماض فى أيامنا البريئة فى هجير بعيد..وبرد قارس يغوص فى مفاصل الأيام...
ربما اعتمدت على الوقت،...ربما عطّلني رحيل أمي المفاجيء إلى الجنة دوني، ربما قررت ان أصبح جديرا بها أولا..ربما فكرت أنها تعرف..أو أنها ستنتظرني..أو أسرفت فى الخيال بأنها لا شك ماخوذة بي..مثلما أنا مغيّب بها.
وهكذا.. صارت شمة من نصيب غيري..ذات ليلة لم يتوقف فيها دق المعازف حتى الصباح..وتركت ذلك الضال-قلبي- يلوب فى السكيك البعيده..محاولا اجتياز معابر الخيبة المبكرة،لحب صغير لم تكتب له النجاة.
لكنني وأنا أحاول أن أتخفف من مثاقيل الحسرة كل يوم..بعيدا عن السكيك والفرجان ،وصهدالذكريات..لم أعد أعرف بماذا أدعو شمّة..وهل من المسموح أن أنظر الي غرتها أم حنّاء قدميها.أو كيف أحلم بها.. وهى على بعد حائط طيني تفوح بالليمون الأخضر والغموض،و تلتحف ظل أبي كل ليلة، بينما أتضور فى الظلام مثل كلب يحتضر.
_________________________
.jpg)
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق