الثلاثاء، 5 فبراير 2008

Detect the system condition ...


صطفى سكر

تشخيص حالة النظام ...

حين كنت صغيرا كنت منطويا وخجولا ، ولهذا إخترت الصفوف الخلفية لي مستقرا يوم أن بدأت الدراسة الإبتدائية ، حتى أكون بعيدا عن مجابهة المدرس ومتخذا من الجمهرة التي أمامي (خلف ساتر) ! لكن مع تقدم المراحل كنت أتقدم الصفوف ، حتى صرت في الصف الأول من حجرة الدراسة ، وكان السبب ليس شطارتي أو جراءتي ، بل صعوبة رؤيتي لما يكتب على السبورة السوداء الكالحة ! وحين إنتقلت إلى مرحلة أعلى (المتوسطة أو الإعدادية) صرت لا أرى جيدا ما يكتب فإعتمدت على أذناى ألتقط بهما أقوال المدرس وأحفظها ، لكني ذات مرة أحرجت حرجا شديدا ، حين طلب مني أحد المدرسين قراءة المكتوب على السبورة فعجزت ، وإعتقد المدرس وهو يصيح غاضبا أني غير مستطيع : " ءإلى الآن لا تستطيع القراءة ؟! ". فقلت بصوت مرتعش لا يغطي على صوت قهقهات التلاميذ : " بلى أستطيع ، لكني لا أرى جيدا ماهو مكتوبا على السبورة ! ". فأمرني بالإقتراب فإقتربت ، ثم أخذت أقرأ ماهو مكتوب بصوت عالي ، بعدها قاموا بتحويلي على الوحدة العلاجية بالمستشفى الحكومي لفحص نظري . بعد كشف النظر وفحص قاع العين والشبكية ، أى تشخيص حالة النظام البصري ، قال الطبيب أن عندي ضعف في الإبصار وقصر شديد للرؤية ، وأن علاجي هو النظارة الطبية ، وأعطاني وريقة بها مقاسات العدسات ، وطلب مني أن أجعل أهلى يفصلون لي نظارة في أى محل للنظارت بهذه المقاسات ، وبشرني بأن رؤيتي ستتحسن كثيرا حين أضع النظارة فوق أنفي ! "" لكن قبل أن أكمل .. إسمحوا لي أن أبلل منديلي "" ! ومن يومها وسمني العيال (التلاميذ) أبو أربع عيون ، وقبلت نعتهم هذا بكل سرور لأن ما ربحته من النظارة كان يفوق سخريتهم مني ! ثم تعددت على أرنبة أنفي النظارات بمرور السنوات ، لأن العدسات كانت تزداد سماكة من سنة لأخرى ، لدرجة أن زجاجها أصبح يظهر هالات دائرية حول عينايّ والتي كانت تبدو لمن ينظر إليها ، أنها ضيقة وصغيرة كما العيون الصينية ! وحين تخرجت من الجامعة وتوظفت بعدها ، إنتقلت على ألسنة زملائي من مسمى إلى آخر ، ففي الدراسة كنت أبو أربع عيون ، أما في العمل فقد سموّني أبو درابيل ، ذلك لأن عدسات نظارتي قد أصبحت في سماكة قعر الكوب الزجاجيّ ، أو في سماكة عدسات الدربيل ( نظارة الميدان الحربية ) ! ثم بدأت أفكر في الزواج مثل أقراني ، وحين قررت هذا قررت في نفس الوقت التخلص من النظارة ، لأن منظري بها كان منفرا لبنات حواء ، وقد خبرت هذا مما سمعته من إخوتي إنعكاسا لأقوال بنات العائلة أو من أصحابهن اللائي رأوني ! وكانت قد ظهرت في هذه الآونة العدسات اللاصقة ، فعملت فحوصها وإخترت نوعا من العدسات المرنة لعيني ، وبدأت أتدرب في المنزل على تكنولوجيا تركيب وخلع العدسات على عيني حتى نجحت ، والحقيقة أنها عملية مرهقة ومرعبة ! إذ تبدأ العملية بفتح الحافظة البلاستيكية التي تحتوي على عينين ، عين عليها حرف (آر) للعين اليمنى ، وأخرى عليها حرف (إل) للعين اليسرى ، وكنت قبل أن أغمس يدي أغسلها جيدا درءا لتلوث العدسة ، ثم أسقط بأصبعي إلى العدسة الشفافة السابحة في محلول التنظيف ، ورغم أني كنت لا أراها إلا أن (بنت الجنيّة) كانت تشعر هى بأصبعي فتنجذب إليه وتلتصق به ، عندها أرفع أصبعي وأقوم بقلبها على أنمل الأصبع بحيث يكون تقعيرها مقابلا لإستدارة عيني ، وبحرص شديد كنت أقترب بها من عيني ويدي الأخري تفتح جفناى المرتجفان ، حتى تلامس العدسة عيني وتلتصق بها ! لكن في مرات كثيرة كانت بنت الجنيّة ترفض الإلتصاق وتسقط من بين عيني وأصبعي ـ وهذا عذاب آخر الله لا يوريه لأحد ـ إذ كنت أسرع بالجعمزة على الأرض بحثا عنها ، وكنت أدور بحذر في إتجاهات كثيرة وخدي يكاد يلامس الأرض لأستطيع رؤيتها ، لكن كان من العسير العثور عليها ، تماما كصعوبة العثور على سمكة حمراء في البحر الأحمر ! ولكن بنت الجنيّة هذه لم تتوائم مع عيني ، إذ صارت عيني بعد فترة من وضعها تلتهب ودموعي تتوقف ، والدموع لها وظائف خطيرة للعين ، فهى تسقط من محبس علويّ كل لحظة وتنساب إلى حوض سفلي للتصريف ، وبمشوارها هذا تبلل عدسة العين وتبردها ، وتقوم الجفون بتنظيف العدسة مثل ما تفعل مساحات السيارة لزجاجها ، ولك أن تتخيل كيف ستكون حركة مساحات السيارة وهى تتردد يمينا ويسارا على زجاجها الجاف ! وعلى هذا نصحني طبيب العيون بعدم إستعمال العدسات اللاصقة ، لأنها ستسبب لي تخرشا في العين نتيجة حركة الجفون المستمرة بدون تزييت ، وأضاف قائلا : كما أن العدسات اللاصقة لا تصلح للبلاد الحارة المتربة ومشاكلها كثيرة ، وعليك تجنب إستخدامها وفورا ! لكني في هذه الفترة كنت قد إرتبطت بفتاتي ، وخشيت أن ترفضني بعد أن رضيت بشكلي ، وإن كانت في لحظات كثيرة كانت تعيب علىّ إحمرار عيوني ، وكانت تتندر ضاحكة بقول أخواتها : " كيف حال خطيبك أبو عيون حمرة معكي ؟ " ! فصبرت إلى أن أكملنا زواجنا ، وبعد شهور كشفت لها المستور ، فقلت آسفا : " ترى ياحبيبتي لقد كذبت عليكي وأنا آسف لذلك ، فقد كان همي أن ترضي بشكلي ، والحقيقة هى أن نظري ضعيف وألبس النظارة ، وكنت أستخدم العدسات حتى تريّني وسيما ، لكنها للأسف بدأت تؤلم عيني وتؤذيها ، فإسمحي لي قبل فوات الأوان أن أعود إلى عويناتي ؟ " . قالت الزوجة بتفهم : " ما عليك .. إفعل ما يريحك ". وهكذا بدأت بالرجوع إلى لبس النظارة ، فذهب الإحمرار من عيني ، لكن زوجتي ظلت مدة طويلة تتجنب النظر إلي وجهي ، إذ ظلت تردد على مسامعي : " والله ماني مستسيغة شكل وجهك بهذه الدرابيل ! ". "" لكن قبل أن أكمل .. إسمحوا لي أن أبلل منديلي "" ! ورزقنا الله بالذرية وكبرت المسؤولية ومع السنين كبروا وترعرعوا ، وكبرت أيضا عدسات نظارتي وإزدادت غلظة ، وأصبحت أسيرها فلا أقدر على خلعها وإلا إصطدمت بالأشياء ، ولم أنتبه أنها صارت لازمة أو جزء مني مثل اليد أو الأنف أو الأذن ، إلا حين مررت بأحداث ثلاثة ! الحدث الأول حدث في منزلي ، فمن عاداتي الغير حميدة ـ وما أكثرها ـ أنه في صباح الجمعة أقوم بقراءة جريدتي المفضلة بتمعن من الجلدة إلى الجلدة ، ولا تستهونوا بهذا ، لإن لي طقوسا تعمل قبل أن يتم ذلك ! فبعد الحمام الدافئ ، وبعد صلاة الصبح ، وبعد الإفطار مع الأسرة ، أخرج لإحضار جريدتي من صندوق البريد ، في هذا الوقت تكون زوجتي قد وضعت لي فنجان القهوة المضبوطة على طاولة صغيرة بجوار الكرسي الهزاز في غرفة مكتبي ! وحين هممت مثل كل مرة بالقراءة تذكرت ، فنظرت حولي فلم أجدها ، بسرعة توجهت إلى غرفة النوم ، أضأت نورها ثم توجهت إلى الكمودينو وأضأت الأباجورة وأخذت أتحسس فلم أجدها ، لعبت بيدي تحت المخدات المنبعجة ثم تحت اللحاف المقلوب فلم أجدها ، ذهبت إلى المطبخ وأخذت أحرك يدي فوق الثلاجة حيث أضعها أحيانا بعيدة عن الأيدي فلم أجدها ، فقلت هى قطعا في غرفة الطعام حيث أفطرت ، وهناك بحثت في كل مكان فلم أجدها ، فتنرفزت وتعصبت ، وصرت أتحرك من مكان للآخر كالمجنون وكلمات غاضبة تتساقط من فمي كما تتساقط الحبات الغليظة من مطر سحابة راعدة ! ولم أفطن أن زوجتي كانت تلاحظني لأنها وفجأة سألتني من خلفي : " إشبك متعصب ؟ ". قلت بغضب : " لا تسألي عن سبب تعصبي لأنكي تعلمينه ، فيديكي الكريمة التي تمتد إلى كل شيئ وحتى إلى أشيائي الخصوصية هى السبب ، وحتى لو كان الغرض هو التنظيم أو الترتيب أو أى زفت آخر ، إلا أن هذه التحركات لأشيائي تتسبب كثيرا في إرباك نظام حياتي ! ". قالت بصبر : " معلش .. الله يسامحك ، والآن قل لي عما تبحث حتى أدلك عليه ؟ ". قلت بسخرية ونفاذ صبر : " عما أبحث هاها ، ألا تعرفين أن هذا ميقات قراءة الجريدة ، ثم كيف لي أن أقرأها وقد بحثت عنها في كل مكان ولم أجدها ، أيعجبك الآن ما تفعلينه بحياتي ؟! ". إبتسمت وهى تقول : " الجريدة مازالت تحت إبطك ! ". أغاظني عدم فهمها : " ياستي أعرف هذا ، أنا أبحث عن النظاااااااااارة ! ". فجأة وجدتها تنفجر بالضحك وهى تخبط كفا بكف فزاد هياجي : " أهذا وقت الضحك والخبال ياحرمة ، ثم تعالىّ هنا ، بأى حق تضحكين وقد أوصلتيني أنتي إلي هذا ؟! ". قالت وما زالت تقهقه بصوت رنان : " ياحبيبي ، يانور عيني ، يابو عيالي ، الله ينور عيونك هذه اللي النظارة معلقة أمامها ولا تستطيع رؤيتها ! ". والحدث الثاني حدث في عيادة طبيب العيون ، فحين قاربت رخصة قيادتي على الإنتهاء ، إستخرجت الأوراق المطلوبة لتجديدها ، وكان علىّ أن أراجع المستشفي الحكومي لعمل فحص النظر ، وحين جاء دوري ودخلت غرفة الطبيب الذي كان أردنيا ، طلب مني الجلوس على كرسي ووقف هو بجوار اللوحة المضاءة المطبوع عليها حرف (السي) الإنجليزية بإحجام متفاوتة ، طلب مني وضع القصاصة على عيني اليسرى ففعلت ، ثم أشار بعصاته إلى أحد الأحرف طالبا مني تحديد إتجاه فتحة الحرف ، ظللت فترة أبحلق وأدقق فلم تسعفني رؤيتي على تحديد الفتحة ، فزحزحت الورقة قليلا حتى تساعد اليمنى اليسرى ، ثم نطقت : " الفتحة في اليمين " . طلب مني الطبيب المجيئ ، وحين حضرت وجدت الفتحة المشار إليها في اليسار ! رجعت ثانية إلى مقعدي فأشار إلى أخرى ، فقلت : " يسار " . فطلب مني الحضور لأجد أن الفتحة في اليمين ! ثم أشار إلى ثالثة فقلت : " فوق " ، ولما ذهبت وجدت الفتحة في الأسفل ! وهكذا تم مع العين الأخري ، فشل ذريع وأمر مريع ! في الحقيقة لقد إغتظت منه وكذلك من نفسي ، وقبل أن أتعصب عليه تذكرت نكتة سمعتها في شبابي جعلتني أسترح وأسترخي وتعود لي روح الدعابة ، النكتة تقول : ( رجل ضعيف النظر مثل حالي ذهب لقياس بصره ، سأله الطبيب : " أين فتحة الحرف ؟ " ، فقال الرجل : " أى حرف ؟! " ، قال الطبيب : " الحرف الموجود على اللوحة ! " ، سأله الرجل مندهشا : " أى لوحة تقصد ؟ " ، قال الطبيب بزهق : " ياأخي اللوحة المثبتة على الحائط " ، فصاح الرجل مذعورا : " حائط ، وهل هناك حائط ؟! " ) . عندها قلت لطبيبي ضاحكا : " يادكتور ، الجالس أمامك يقود سيارته منذ ثلاثين سنة لم يرتكب خلالها لا مخالفة ولا حادثا ، ومن خبرتي بالطريق ، أقول أن ما نراه إما عنزة أو بعير ، وإما ولدا أو إمرأة أو رجل أو سيارة ، فكيف بالله عليك تمتحنّي في علامات ضئيلة في ضئالة الحشرات ، أتتوقع منا مثلا رؤية نملة تعبر الطريق فنقف لها حتى تعبر ، والله ما يصير هذا ؟! ". ضحك الطبيب من قلبه ثم قال مسرورا وهو يخط بقلمه : " حاضر ياسيدي ، سأنجحك في الكشف كرمال سكسوكتك البيضا ! ". أما الحدث الثالث فقد تم في الشركة ، إذ حضر إلى يوما أحد الزملاء لعمل ما ، وكان هذا الزميل مثلي من أصحاب النظارات الطبية ، ولكن هذه المرة وجدته يرتدي نظارة سوداء شمسية أنيقة ، وحين جلس أمامي خلعها ووضعها فوق مكتبي ، أخذتها بيدي فوجدتها خفيفة جدا ، فسألته : " أهذه شمسية وطبية معا ؟ " . رد على مبتسما : " لا هذه شمسية فقط ، فما عدت أستعمل النظارة الطبية منذ أجريت عملية التشريط " . سألته مندهشا : " وما عملية التشريط هذه ؟! " . قال : " لقد علمت أن مستشفى سليمان فقيه تعاقدت مع برفيسور عيون لمدة محدودة ، وأن هذا الإستشاري يقوم بتصحيح النظر بتشريط قرنية العين ، ووجدت أن العملية لا تكلف غير مبلغ زهيد ، ووقتها نصف ساعة لا تزيد ، فعملتها وألقيت بالنظارة السخيفة وإلى الأبد ". قلت من فوري : " ياحليله .. أنا من اليوم قتيله ! " . "" لكن قبل أن أكمل .. إسمحوا لي أن أبلل منديلي "" ! وذهبت إلى الطبيب المداوي ، ووجدت طابورا طويلا في الإنتظار ، لكني لم أيأس وأخذت موعدا بعد شهر ، ومر الشهر على أعصابي ، فالزمن طويل وصبري قليل ، لكن الأمل ويا محلى الأمل كان يصبرني ، أعلل النفس بالآمال أرقبها .. ما أضيق العيش لولا فسحة الأمل (المتنبي) ! وحين جاء موعدي ذهبت إليه طائرا على جناحىّ الأمل والتفاؤل ، وأخذ الطبيب يدخلني من آلة للآلة ، ويقلبني من حالة إلى حالة ، إلى أن إنتهى وقال بهدوء : " أنا آسف ، عينيك بها عيوبا كثيرة ، ولا تنفع حيالها عمليات التشريط ! ". قلت بإلحاح ومازال الأمل يحدوني : " يادكتور حوّل بدّل ، حاول مرة أخرى ! ". قال بجدية وصرامة : " لا يمكن صدقني ، نظرك لن ينصلح بعمليات التشريط ولا حتى بعمليات الليزر التي يجرونها في هذه الأيام ، خليك بالنظارة وأرح نفسك " . خرجت من عيادة الطبيب وقد دهستني شاحنة اليأس ، وأطفأت جذوة أملي رياح القنوط ، فذهبت إلى بيتي أجرجر رجلي منكسا ، وقلت لنفسي المنهزمة : " لا تحزني يانفسي ، دعينا نظل مع هذه النظارة الكئيبة إلى مابقى لنا من زيت في سراج العمر ! ". لكن زوجتي ـ الله يخليها ـ حين رأتني بهذا الحزن شجعتني قائلة : " لا تيأس إذهب إلى مستشفى المغربي وإسمع من أطباء الليزر ماذا يقولون " . وفعلا توجهت إلى مستشفى المغربي للعيون القريبة منا في جدة ، ودخلت في دوامة فحوص مجهرية كثيرة إستغرقت أكثر من ساعتين ، بعدها قال الطبيب : " نعم يمكننا تصحيح بصرك ! ". قلت بفرح شديد وبلهف : " أممكن فعلا أن يصحح نظري وأستغنى عن النظارة ؟! ". قال ببساطة : " نعم ممكن ، فكل عين ستحتاج إلى عمليتين ، الأولى سترجع حدة البصر بنسبة 80% ثم بعد ستة شهور عملية أخرى تصل به إلى مائة في المائة ، أى أن كل عين ستستغرق سنة ، يعني بعد عامين ستكون عندك عينين سليمتين ! ". قلت : " والتكلفة يادكتور ؟ ". قال : " التكاليف يحسبها قسم الحسابات ، لكن كتقديرا جزافيا ، لن تقل المصاريف عن عشرون ألفا من الريالات ". بسرعة بديهة أحسد عليها سألته : " إذا كان هذا صحيحا يادكتور ، فلماذا لم تفعل أنت هذه العملية لنفسك وتلقي بالنظارة الطبية جانبا ؟ ". قال الطبيب الطيب مبتسما : " بصراحة ، أنا لا أحب اللعب في عيني ! ". نهضت واقفا وأخذت أهز يده بالسلام قائلا : " أشكرك من كل قلبي يادكتور على هذه النصيحة الغالية ! ". ومرت السنون تكر بعضها كرا ، وأهملت معاناتي مع عويناتي ، وإنشغلت في أمور العيال والعمل والحياة ، إلى أن قربت أجازة الصيف للعام الفائت ، وكنت قد خططت أن أقضيها مع أسرتي في ماليزيا ، لكن حين جاء وقت الجد ، جمعت الأسرة لآخذ رأيهم النهائي ، فقد عودتهم على حياة ديموقراطية سليمة تحسدنا عليها الدول الديموقراطية العتيدة ! قالت إبنتي : " ولماذا ماليزيا ؟ : . وقال أبنائي: " فلنذهب إلى بولندا ! ". وقالت الأم : " لن أذهب إلا إلى دولة عربية ، سوريا أو لبنان أو مصر ! ". نظرت إليهم جميعا فوجدتهم واجمين ، أى هم ينتظرون رأيي ، فإنحزت ـ ليس خوفا منها لكن إحتراما ـ إلى زوجتي قائلا : " خيرا ما قالته أمكم ، لكن سوريا ذهبنا إليها سابقا ولم نشعر فيها بالراحة ، ولبنان كما تعلمون مشاكلها كثيرة وخاصة بعد إغتيال الحريري ، فلنتوجه إذا إلى أم الدنيا مصر ! ". وفي القاهرة سكننا في شقة بمدينة نصر في شارع مكرم عبيد ، وفي ليلة كنت أسير مع إبني الصغير (سيف) متوجهين إلى مكدونالد القريب لإحضار عشاء للأسرة ، فلفت نظرنا في الجهة المقابلة لشارع مصطفى النحاس عمارة عليها يافطة كبيرة مضاءة لمستشفى إسمها النور للعيون ، فقلت لإبني : " دعنا نذهب إلى هذه المستشفى لعمل كشف على عيوني ، لأني منذ عدة شهور أشكو من غلالة من الضباب أو الغبار تعوق رؤيتي ، لعلهم يعطوني قطرة تنظفها ، وذهبنا ! وفي الحقيقة أنا لا أحب التعامل طبيا مع الأطباء الصغيري السن ، لإقتناعي بقلة خبرتهم ، لكني سلمت أمري إلى الله لهذا الطبيب ذو اللحية الخفيفة والذي يبدو في الخامسة والثلاثين ، كان الطبيب ينتقل بخفة ومهارة من جهاز إلى آخر وهو يتفحص عيوني ، وبعد أن إنتهى أضاء نور الغرفة وقال : " أولا ياحاج (المصريون يطلقون هذا اللقب على القادمين من السعودية) القرنية عندك سليمة ولله الحمد ، لكن عندك مياه بيضاء (كاتراكت) كثيرة متكثفة على عدسة عينك ، وهى التي تغبش رؤيتك للأشياء ! ". قلت متعلقا بأهداب الأمل : " والحل ؟ ". قال : " الحل إزالة هذه المياه ، وهى عملية بسيطة بالليزر لا تأخذ سوى دقائق معدودة ، ثم أضاف ، وعينك اليمنى بها إستجماتيزم (إنحراف) أربع درجات ، ويمكن أيضا تصحيحه بالليزر ، ثم .. لماذا هذه النظارة السميكة التي تشوه منظرك وتلهب عظمة أنفك من ثقلها ، لو أردت لزرعت لك عدسات أبدية داخل العين تريحك منها ؟ ". في الحقيقة قوله هذا لقى صدى طيبا في نفسي ، وأعاد إحياء أملي وبعث في داخلي إشراقا كان قد خبى لحلم قديم مضى وإنقضى ، فأسرعت بسؤاله : " هل ما تقول يادكتور أكيد ومضمون ، أم أن له آثارا جانبية قد تؤثر مستقبلا على رؤيتي ؟! ". قال الطبيب واثقا : " ياحاج ، العمليات هذه أصبحت بسيطة جدا مثل شرب كوب الماء ، وأنا ـ ولله الحمد ـ أجريت آلافا منها سواء في لندن حيث درست وعملت ، وأيضا هنا ، دون أى نسبة ولو ضئيلة من الفشل ! ". رجعت ثانية إلى غيّي القديم وسألته : " وكم ستكلف العملية يادكتور ؟ ". قال : " ستكلف سبعة آلاف جنيه للعينين ". قلت : " والوقت ؟ ". قال : " حوالىّ خمس دقائق ! ". قلت غير مصدقا : " خمس دقائق للعينين ؟! ". قال واثقا ولكن بدون غرور : " نعم " . وإتفقنا ، ورغم إعتراض أسرتي وخوفهم علىّ وعلى عيوني ، إلا أنهم رافقوني بعد يومين ، وخرجت من غرفة العمليات بعد ست دقائق ، وصحبتني أسرتي إلى سكننا ! وفي صباح ثاني يوم ، إلتفت الأسرة حولي قبل أن أنزع الضمادات ، كان الجميع يدعو وهم في ترقب مشوب بالقلق والهلع ، وكنت أنا الآخر أشد منهم قلقا وهلعا ، لكني لم أظهر لهم هذا بصفتي كبيرهم ومفروض أني أشجعهم ، لهذا تقمصت شجاعة طارئة تشبه شجاعة إبن الوليد عندما كان يجوس بفرسه في عمق جند الروم في موقعة اليرموك ، وقلت بسم الله ، الله واكبر وأخذت أنزع الضمادات ! ولما فتحت عيناى فوجئت بأن أنوار الغرفة ساطعة أكثر من اللازم ، فجفلت ووضعت يدي فوق عيناى وأنا أقول : " ماكل هذه الأنوار الباهرة أطفئوا بعضا منها لو سمحتم ؟! ". لكنهم قالوا : " إنها لمبة واحدة مضاءة بالسقف ، فإن أطفأناها أظلمت الغرفة ! ". فبدأت أفتح عيني مرة أخرى بالتدريج ، ياسبحان الله ، أكان كل هذا النور موجودا ومحجوبا عني ، بالطبع كان موجودا لكني لم أكن أراه ! في ظل هذا النور الذي كنت لا أراه ، أصبحت أرى أدق الأشياء التي كنت محروما منها ، صرت لا أتخبط في الأشياء ، وصرت أقرأ اللوحات البعيدة المعلقة فوق المباني ، وصرت أرى الطريق واضحا أثناء قيادتي ، لدرجة أني لو رأيت الآن نملة تعبر الطريق لتوقفت لها إحتراما وإجلالا حتى تعبر الطريق آمنة ، فلقد أشرقت الأرض بنور ربها ! ... القصة إنتهت ، والآن "" .. إسمحوا لي أن أبلل منديلي "" ، آه معذرة ، نسيت أن أذكر لكم حكاية منديلي ! أنا في الحقيقة كاتب غريب أوغير طبيعي أو معلول ، فحين أجلس للكتابة إليكم تنتابني حالة مرضية غريبة ، إذ يرتفع ضغط دمي وترتعش أطرافي وتنتابني حمى ، وأشد ما يتأثر عندي هو رأسي ، فأجدها تغلي وتفور وترتفع درجة حرارتها وتصير مثل رأس الموقد ، وقد شطح بي تفكيري وأوهمني أن رأسي ، ماهى إلا رأسا نووية ، ولهذا إن لم أبادر بوضع منديلا مبللا عليها لتبريدها ، وغمره بالماء من آن لآخر ، فإنها سوف تنفجر وتقضي على الأخضر واليابس ، وعليه وحفاظا على سلامتكم أترك الكتابة مرات كثيرة لأذهب إلى الصنبور لأبلله ، لهذا لزم التنويه ورجوت معذرتكم ، وتصبحون على خير! ـ جدة ، يناير 2007

ليست هناك تعليقات: