حكاية عليثة الصراف
يرويها لكم : مصـطفى ســكر
*** بعد أن إنتهت مراسم الحداد على زوجة (عليثة) أصبح وحيدا في منزله الكبير ، فهاهى زوجته الثانية قد رحلت عن دنياه ورجع ثانية وحيدا ومقطوعا ! عليثة لم ينجب من زوجته الأولى ولم ينجب أيضا من زوجته الثانية ، فهو يعلم أن حظه في هذه الدنيا منكود ! فرغم أنه يعمل صرافا في بنك معروف ومشهود ، ورغم أنه يقضي نهاره كله في قبض وصرف النقود ، إلا أنه لا يملك من حطام هذه الدنيا غير راتبه المحدود ، وسيارة قديمة مستهلكة تبلع الزيت والوقود ! عليثة لا لون له ولا طعم ولا رائحة ، تماما مثل الماء ، في حركاته بطيئ هادئ ينساب بين قنوات مجتمعه بلا ضجيج أو خرير ، ولو لم ترى سريانه لقلت أنه غير موجود ! عليثة مخلص جدا في عمله ، يعمل مثل آلة صماء ، تدور أصابعة بسرعة وبدقة كآلة عد النقود الورقية ، التي تقبع أمامه خلف نافذة المصرف الزجاجية ، وفي موعد الإنصراف ينساب في قناة أخرى تؤدي إلى بيته ، ولا يغادر البيت إلا للضرورة لشراء مقتضيات معيشته ، ثم يعود ، يعود إلى بيته الحجريّ الذي ورثه عن أبويه ! البيت قديم وأثريّ مبني بالأحجار وتقف على نوافذة مشربيات من الخشب المضفر ، تحجب ضوء وحرارة الشمس وتستر حريم الديار عن العيون البصاصة ! يقع البيت وسط مجموعة مباني متشابهة عتيقة بنيت منذ سنين طويلة في بقعة تطل مباشرة على البحر ، أغلب من بني هذه البيوت كانوا من صيادي الأسماك ، التي تنتظرهم قواربهم أمام أعينهم على رمال البحر ، لتأخذهم بعيدا في إمتداد آخر مجهول ! يتجمع الصيادون بعد الفجر وهم يتوشحون ثيابا بالية تفوح منها رائحة زفارة الأسماك ، ويتلثمون بشماغات باهتة فوق أنوفهم ورؤوسهم ، يلمون شباكهم المنشرة على أعواد الشاطئ ، ثم يضعونها في قواربهم قبل أن يدفعونها إلى الماء ، بعدها يجدفون قواربهم في إتجاه اليم ، حين تظل رقابهم مشرئبة نحو شاطئ الأحباب ، الذي يظل يبتعد ويبتعد مع كل ضربة مجدف ، وهم يتجهون إلى عرض البحر ليختفوا في فضاءاته أياما ! أبوعليثة خرج يوما للصيد كعادته وفي يده بؤجة(صرة) الطعام ، لكن غيابه طال سنوات وسنوات ، عاد بعضهم بقاربه الذي كان يترنح فارغا وسط البحر ، وجرفوه إلى الشاطئ ، فظل القارب شاهدا على من ذهب ولم يعد من بعيد ! إنتشرت شائعات بين أقرانه .. أقوال وأقوال ، منهم من قال أنه سقط من القارب وغرق ، ومنهم من قال أنه تعلق بسفينة تجارية مرت بجواره ورحل إلى بلاد أخرى ، ومنهم من قال أن جنية من جنيات بحر الظلمات رغبته لنفسها فإختطفته وذهبت به ! غاب أباه إذا عنهم .. وتلى ذلك وفاة أمه بعد عدة سنوات حزنا عليه ، فلم تكن المسكينة تتوقف عن ذكر محاسنه ومآثرة لحظة ، ولم تجف عيناها من ذرف الدموع عليه ! أما ما وراء هذه البيوت الأثرية على مدى زمني قد يصل إلى عشرين دقيقة سيرا ، فهى منطقة أخرى أنشأها التجار ، المنطقة تضم مجموعة كبيرة من المخازن والمحلات والأسواق ، أصبحت بعد سنوات قليلة الوسط التجاري لهذه القرية ، تلاها على البعد قيام مجمعات سكنية وبيوت ودارات ومدارس وعيادات وغيرها ، كإمتداد طبيعي للعمران الذي أخذ يتوسع أفقيا على بحر آخر شاسع ، لكنه هذه المرة بحر من رمال الصحراء الواسعة ! زيجة عليثة الأولى جاءت من إحدى قريباته ، قرابة بعيدة جدا لم يكن يعرفها ولم تخطر له يوما على بال ، فقد دقت بابه ذات مساء إمرأة عجوز ، حين فتح لها الباب متوجسا كعادته فوجئ بها ، عجوز حيزبون تلبس عباءة سوداء إلى مافوق رأسها ، وتضع برقعا يكشف وجهها إلى ماتحت أنفها ، بادرته العجوز قائلة بصوت مرتعش : " مساك الله بالخير ياعليثة ، أنا عمتك أم حنيش ، ألا تذكرني ؟ ". أجابها وهو لم يفيق بعد من صدمة رؤيتها : " لا والله ياعمة ، ماني فاكر شيئ ! ". قالت العجوز برجاء : " ياولدي أنا قريبتكم وكنت أجيئ دائما عند أمك الله يرحمها ، لكنك كنت صغيرا بعد ! ". أجاب وهو لا يذكر شيئا عن ذلك : " جايز ياعمة لكني لا أذكر ، المهم ، هلا بكي ومرحبا ، أتبغين شيئ ؟ ". قالت وهى تنظر من جانبه إلى داخل البيت المظلم : " ألا تدعوني ياولدي إلى الدخول لتسمع ما جئت لك به ؟ ". إستحى عليثة من نفسه لطلبها وخجل من غياب كياستة مع إمرأة عجوز تقف على بابه ، فتنحى عن فتحة الباب بسرعة وهو يقول لها : " آسف ياعمتي ، تفضلي بالدخول أهلا بكي ! ". حين دخلت المرأة وقبل أن يغلق الباب الخشبيّ العتيق الذي يصر على مفاصله ، لم ينس أن يطلق نظرات وجلة على الطريق يمنة ويسرة ! جلست أم حنيش على الأرض فوق حشايا المجلس العربيّ ، الذي لا تضيئة غير لمبة يأتي نورها طشاشا من السقف ، جلس أمامها ليقرب لها طاسة التمر ويصب لها فنجان من قهوة (الهيل) التي كان قد صنعها لنفسه منذ فترة ! بعد أن رشفت المرأة فنجانها هزته بيدها علامة الإكتفاء ، ثم تركت الفنجان وجذبت برقعها إلى ما أسفل ذقنها وتبسمت ، كأنها تريد منه أن يتأمل أحافير الزمن التي نحتت وجهها ، وكذلك التجويف الفارغ لفمّها المبتسم والذي لا يردمه إلا سنة يتيمة متآكلة ترقص تحت بسمتها المتلألئة ! وحين تأكدت أنه ملأ بصره من شكلها ، ورأت الإطمئنان باديا عليه ، قالت : " أعذرني ياولدي على غيابي الطويل عنكم ، فقد بعدت الشقة بيني بينكم قبل وفاة العزيزة أمك ، لكني الآن حضرت ، حضرت حين آن الأوان ..كما رغبت هى ووصتني ! ". صاح عليثة مندهشا : " أمي وصتك ؟! ". قالت العجوز بتأكيد : " نعم وصتني ، فقد كانت أمك ـ ألف رحمةعليها ـ تؤكد علىّ بعد كل (حلقة) ، ألا أنسي زواج الولد حين يبلغ الخامسة والعشرين ! ". نسى عليثة موضوع الزواج لأن ماعلق بأذنه غير ذلك ، فسارع بسؤالها : " تقصدين حلقة السمك (البنجلة) ياعمة ؟! ". قالت المرأة بدهاء : " لا ياولدي .. ليست حلقة السمك ، بل حلقة تجمعنا في الليل ، ألا تذكرها ؟ طبعا تذكر لأننا رأيناك مرات عدة وأنت تراقبنا ، أليس كذلك ياعليثة ؟ ". سرح عليثة بأفكاره بعيدا إلى الماضي البعيد ليتذكر ، تذكر جيدا ما كان يحدث بعد أنصاف بعض الليالي ! ففي سن الخامسة كان ينام دائما قريبا من أمه خاصة إذا كان والده غائبا بالبحر ، وفي ليلة صحى فوجدها تلبس عباءتها ثم تضع برقعها أسفل أنفها ، ثم بهدوء شديد تستل خارجة بحذر مخافة أن توقظه ، لكنه كان يقظانا فقام وراءها يتسحب وتبعها ليس تجسسا ، لكن حبا طفوليا للإستطلاع ، ظلت سائرة على الدرب الترابي الذي يؤدي إلى المقابر ، وظل خلفها يتبعها لكن بشقاوة عيالية ، كان بين فترة وأخرى يرقد على الأرض ساكنا حتى إذا نظرت خلفها لا تراه ، حين وصلت إلى رأس المقابر كان هناك نسوة أخريات قد سبقنها ، وإتخذن لهن مقعدا على هيئة دائرة ، آاااه ، هذه إذا هى الحلقة ، التي تقصدها العجوز ؟! لم يدري عليثة وقتها لماذا تتجمع هاته النسوة هناك ؟ وماذا يقولون .. أو ماذا يفعلون .. ولماذا يلقفون لبعضهن البعض ، ببعض حصوات تقرقع ببعضها ؟! صحيح أنه فعل هذا مرتين أو ثلاثة لكنه توقف بعد ذلك ، خوفة من عقابها إن إكتشفت أمره ، وكذلك هربا من لسعات البرد التي كانت تؤذي بدنه ، وبمرور الأيام أهمل الأمر ونسى الموضوع ولم يسأل أو يفكر فيه ثانية ! بعد أن تركت له العجوز فرصة للتذكر أكملت قائلة : " ياعليثة ياإبني ، بعد غيبة أبيك بالبحر ووفاة والدتك أصبحت وحيدا ، والوحدة ياإبني ماهي زين ، وأنا الآن جئت إليك بوصية أمك التي كانت قد عزمت عليها ، وهى تزويجك من إبنة عمك اليتيمة التي تتربى في ملجأ الأيتام بالبلدة المجاورة ! ". إندهش عليثة فسأل بإهتمام : " إبنة عم لي ؟! .. أى عم ؟! .. لست أعرف أن لي عم أو خال ؟! ". أشارت العجوز بكف يدها في وجهه وهى تقول : " لا يا إبني أنت مخطئ ، أعمامك كثر لكنهم منتشرين في أماكن بعيدة ودول خليجية عديدة ، وأحدهم عمك (عبدول) الذي توفى في حادث سيارة كان يقودها وتوفت معه زوجته ، ولكن بنتهما الطفلة نجت وسلمت إلى الملجأ لتربيتها ، و (يمنى) الآن كبرت وأصبحت عروس ، وهى تعمل مدرسة بمدرسة الأيتام ، تزوجها ياولدي لتؤنس وحدتك ولتساعدك على مصارف الأيام ، هيا ياولدي للخير هيا ، أقبل على الخير ولا تتقاعس ! ". كان عليثة وهو يسمع كلامها مبهورا بما يسمع ، لكن نظراته التي سقطت فجأة على قدميّ المرأة كادت أن تفقع ، إذ هيأ له شيطانه أن ما يظهر من رجليّ المرأة يغطيه شعر أسود كثيف ، وأن قدميها بحافرين مشقوقين .. فكاد أن يقهقه ، لولا أنه تمالك نفسه وإستعاذ بالله من الوسواس الخناس ، حين كانت تختم كلماتها قائلة : " ألم تلاحظ أبدا ياولدي الرجل القصير، الذي يقف قريبا من بنككم والذي يصيح على الناس بنداء : ( ياباغيّ الخير أقبل ! ) ؟ ". قال عليثة بسرعة : " بلى أراه ، الرجل القصير ذو الجلباب القصير والسروال الطويل واللحية البيضاء الطويلة والذي يلوح بقبضة من الأوراق في يده ! ". قالت راضية : " إذا طاوعنا ياعليثة وأقبل على الخير .. خذ هذه الورقة بها إسم البنت وعنوان الملجأ .. وخذ أيضا هذه الصرة ففيها شبكة العروس الذهبية ، تركتها أمك معي لأعطيها لك في وقتها المناسب ! ". قال عليثة بإستسلام وهو يتناول منها الأشياء : " مشكورة ياعمه على أمانتك ، وإن شاء الله مايصير إلا الخير ". نهضت المرأة وهى تهمهم متوجعة ومتجهة إلى باب الخروج : " ياكريم ديم علينا الصحة ديم ! " ، كان عليثة يمشي وراءها على مهل حتى يفتح لها الباب ، توقفت المرأة فجأة وإستدارت وأخذت تشمشم بأنفها ثم سألته : " أنسيت عشاءك على النار ياولدي ؟ ". قال عليثة محتارا : " لا لم أترك شيئا على النار ، فإني لم أجهزعشائي بعد ! ". غمغمت المرأة وهى تهز رأسها وتخرج : " جائز ستعشيك ! ". لم يفهم عليثة شيئا مما غمغمت به العجوز ، لكنه بعد أن أغلق الباب إشتم فعلا رائحة طعام يطهو فتعجب ، وتساءل : " لابد أن هذه الرائحة الطيبة صادرة من مطبخ الجيران وحركها الهواء ناحية بيته ؟! " . مصمص شفتيه وهو يقول متلمظا : " يابختهم ياهناهم ! ". ثم تحرك ليصعد إلى غرفة نومه ، لكن رائحة الطبيخ عبأت خياشيمه عند مروره قرب المطبخ ، فعرج داخله ليتأكد من أن نافذة المطبخ مغلقة ، لكن النافذة كانت مغلقة حقا و بدلا من ذلك ، رأى على النار المتقدة قدرا (طنجرة) يتسرب البخار من تحت غطائه ، أسرع عليثة إلى القدر فكشفه فتصاعد منه البخار المشبع برائحة الإدام والبهار ، فقد كان القدر يحتوي على طبخة كبسة لحم معتبرة .. ناضجة طازجة لأكلها راغبة ! من طيبة قلب عليثة وسلامة طويته ، ومن قرصات الجوع الكافرة التي كانت تمغص معدته ، أفرغ لنفسه كمية كبيرة من كبسة اللحم اللذيذة التي إفتقدها منذ سنين ، وتعشى بها ثم رجع إلى المجلس وتناول فنجانين من القهوة ، ثم فك الوريقة ليقرأها : " (يمنى) الله .. إسم حلو ولطيف ، اللهم إجعلها من نصيبي ! " ـ هذا ما قاله عليثة لنفسه وهو يتأمل المكتوب بالورقة . ثم تناول الصرة وفك رباطها بحذر ، ثم قلبها لتسقط في يده شبكة العروس ، كانت الشبكة التي تركتها أمه مع العمة أم حنيش عبارة عن سلسال سميك من الذهب ، معلق به قلادة مستطيلة بها نقوشا عجيبة ، لم يستطع عليثة فهم رموز ورسوم القلادة لكنه إستطاع أن يميز بصعوبة كلمات باهتة ، فقد كان في وجه منها كلمتين الأولى يمنى والثانية بحرف الخاء (خ) لكن بقيتها مطموسة ، والوجه الآخر به كلمة يسرى يتبعها حرف الشين (ش) وبقيتها أيضا مشخوطة ! تعجب عليثة على حرفة حافر رموز هذه القلادة ، وتعجب أكثر من تحديده للوجه الأيمن والوجه الأيسر ، ولم يجد في رأسه تفسيرا يقنعه ، غير أن الحافر أراد بفذلكة غير مطلوبة ، أن ينبه من تقتني وتلبس هذه القلادة ، إلى أن لها وجهين وجها أيمنا ووجها أيسرا ! أسرع عليثة بالزواج من بنت عمه الذي لا يعرفه ولا يعرفها ، وكانت سرعته في إنجاز الزواج محصلة لحديث دار بينه وبين مدير البنك ، إذ إستدعاه المدير يوما ومازحه قائلا : " أصحيح ياعليثة أنك مخاوي ؟! ". لم يفهم عليثة معنى السؤال فأجاب بدهش : " مخاوي ، مخاوي من ؟! ". قال المدير وهو يضحك : " زملائك الملاعين يقولون أنك تعيش في بيت كبير لحالك ، وأنك لا تريد الزواج لأنك مخاوي ، يعني لك رفيقة من العالم الآخر ؟ ". قال عليثة بغضب ولكن بأدب : " لالا ليس صحيحا ما يقولونه ". المدير معقبا : " ويقولون عنك أنك غريب في تصرفاتك وتتجنب الكلام معهم ، يعني منعزل وغير مختلط ! ". قال عليثة ببساطة : " هذا صحيح ، فأنا إنسان بسيط وفي حالي ولا أحب هرج الشباب ومرجهم ، وللعلم أناعلى وشك الزواج من إحدى قريباتي ". المدير مندهشا : " كدة ، ألف مبروك ياعليثة ! ". وهكذا أسرع عليثة بالزواج من يمنى حتى يقطع ألسنة الملاعين ، ومن يشيعون عليه أقوالا بلا براهين ، وعاش معها في هدوء تام ، فقد كانت البنت ـ والشهادة لله ـ من النوع الهادي الصامت ، كلامها قليل وحركتها قليلة ومحدودة ، فلم يحدث بينهما أى إحتكاك أو حراك كما يحدث بين كل زوجين حديثي الزواج ! يمنى مطالبها نادرة أو ليس لها مطالب على الإطلاق ، وهو الآخر مطالبه محدودة أو ليس له مطالب ، ومن بساطة هذه العيشة صار كل منهما مشغولا بنفسه ، أى متزوجا وغير متزوج في آن واحد ، كانت تجمعهما أحيانا لحظات من المتعة الحميمية التي تتم بين الأزواج ، لكنها كانت لحظات قليلة وسريعة تشتعل وتنطفئ في دقائق ، مثل شط عودا من الثقاب بيد مرتعشة في جو عاصف ! مرت عدة سنوات على عليثة ويمنى دون أن ينجبا ، فلعب الفأر في عبهما ، وبعد هذه السنوات الثماني عرضا نفسيهما على الأطباء بالمركز الطبي الواقع في قاع البلدة ، قال الأطباء لهما بعد الفحص والتحليل ، كل منكما يحمل خللا لابد من علاجه إذا أردتم الإنجاب ، فالزوجة كانت قد أجرت عملية جراحية في صغرها لإستئصال الزائدة الدودية التي كانت قد إلتهبت ، وقد أثر الإلتهاب على مبيضها الأيمن وعطل عمله ، وأصبح التبويض لا يتم إلا عن طريق المبيض الأيسر ، الذي لا يثمر إلا بويضات هزيلة تقل عن الحجم الطبيعي ، ونصحوها بتعاطي (كورس) من الهرمونات تجعل هذه البويضات الضئيلة تسمن وتنتفخ وتصير جاهزة للتخصيب ! وعليثة هو الآخر أصيب في سنوات صغره بآلام مبرحة في مفصل فخذه الأيسر سبب له عرجا في المشى ، وقد قام أطباء العظام بإحتواء عظمة فخذه داخل المفصل حتى يحافظوا على كروية عظمة الفخذ ، وفي سبيل ذلك ركبوا له بعض الدعامات المعدنية ليظل المفصل في وضعه الطبيعي ، وقد تعرض عليثة قبل وبعد العملية إلى كم كبير من الأشعات ، منها أشعات إكس العادية وأشعات أخرى بالمسح الضوئي المشع ، وقد عاد عليثة إلى مشيته الطبيعية في سن السابعة ، لكن جسده كان قد إختزن من هذه الأشعات آثارا ، أظهرت عليه بعد ذلك ظواهرا لم تكن لديه ، أو كانت مستكنة عنده لكن حفزتها الأشعة فنشطت وظهرت عليه ، وجعلته يقترب أو يحس بالظواهر االخارجية الغير محسوسة ، التي يطلق عليها العلماء الظواهر الميتافيزيقية ، لكن الأطباء لم يكتشفوا هذا بالطبع ، لأنهم وصفوا له علاجه بسيطا ، عبارة عن كورسا من الفيتامينات المركبة وجرعات من أقراص حامض الفوليك ، لتنشط حيواناته المنوية الضعيفة ! وبعد عدة شهور من العلاج حملت الزوجة ، لكن تصرفاتها إزدادت غرابة بعد الحمل ، فقد أصبحت تقوم ليلا من نومها وتنزل لتجلس في المجلس وحيدة ، كان عليثة في بعض الليالي يأرق أو توقظه أصوات تشبه الشجار ، صياح بين أصوات متباينة فيصحو فلا يجدها بجواره ، فكان يلقي بالغطاء من فوقه ويسرع بالبحث عنها ، كانت أنات الدرج الخشبيّ تسبق خطواته وهو يهرول هابطا في إتجاه المجلس ، فتنقطع الأصوات ويهدأ البيت ، حين يصل يضيئ نور المجلس بالضغط على مقبسه القريب من الباب ، فيفوجئ بها مكومة على الأرض وهيئتها مزرية ، كانت الأسئلة الجزعة تتدفق من فمه وعلامات التعجب تتتابع خارجة من نظراته ، لكن الأسئلة وعلامات التعجب لم تكن تلقى إجابة ، يرفعها بيده في حنان .. يحتضنها ويمسد ظهرها .. يمسح دموعها .. يقبل رأسها ثم برفق يسحبها نحو الدرج ليصعد بها إلى مخدعهما ! في بعض المرات ينزل في الليل للبحث عنها بعد أن يوقظه الصياح ، لم يكن يجدها ، يظل يبحث عنها وهو يدور في أرجاء البيت كالمجنون ، ثم فجأة يسمع أنات بكاءها صادرة من المجلس الذي كان قد طرقه أكثر من مرة ، فيتجه إليه ويشعل نوره ويجذبها من الأرض إلى صدره ، يعاود الأسئلة لا إجابة ، يتعجب فلا يلقى إفادة ، فيأخذها ويصعد وهو يضرب بينه وبين نفسه ، أخماسا حائرة في أسداسا ماكرة ، لا تعطي إجابة مثمرة ! عرض عليثة زوجته على أطباء المستوصف لعلهم يكتشفوا ما غميّ عليه ، فقالوا أن البنت سليمة وأن حملها طبيعي ، وأن ما يعتريها ماهو إلا دلائل (الوحم) الذي تكابد منه حوامل النساء ، ورغم أن البنت كتومة لأنها من النوع الذي لا يخرج ما في صدره ، إلا أنه حين كان يطالع في عينيها ، كان يجد فيهما صرخات مكبوتة تستنجد به ، لكن لسوء حظه أو لسوء حظها ، لم يكن يقدرعلى فك شفرات العيون ! صرحت له يوما على إستحياء إشتهائها لتناول قطعة من الفطر (عيش الغراب أو المشروم) ، كانت هذه أول مرة يسمع فيها عن هذا الشيئ ، ولما إستفسرها قالت أنها نبتة برية ضئيلة الحجم لها جذع صغير ورأس كالمظلة ، فبحث عنها في أسواق الخضر فلم يعثر ، لكنهم دلّوه على منطقة ينبت بها بعض هطول الأمطار ، وكان من الصدف أنها أمطرت لمدة ثلاث أيام في الشهر الفائت ، فأخذها معه يوم جمعة متوجهين صوب هذه البقعة التي تبعد عن القرية بنحو مئة كيلومترا ، ورغم أن السيارة توقفت لعطب في إطارها عالجه بتغيير الإطار ، إلا أنهما وصلا قبل الظهر بقليل ، أخذا يتجولان في هذا البر الفسيح إلى أن عثرا على بعض الشجيرات الصغيرة ، شاهرة أعناقها وسط الأرض المعشوشبة ، فكانت من فرحتها تهبط إلى الأرض وتقطف الشجيرة وتنفض عنها الغبار ثم تأكلها بتلذذ ، وكان هو يراقبها بتعجب في إستغراب وتقذذ ، ولما إنتهت قالت له في سعادة وإنشراح : " كفى شبعت ، خذني الآن إلى البيت ! ". أثناء رجوعه بالسيارة كان يلاحظ أنها مململة ، تتلوى في صمت ويدها فوق بطنها ، لكن وجهها كان مشاحا صوب زجاج السيارة البعيد فلم يستطع رؤية إنفعالاتها ، ومع هذا سألها : " ما بكي يايمنى ؟ ". قالت تطمئنه : " مابي شيئ ، مغص بسيط وسيزول ! ". لكن بعد أن قطع نصف المسافة إشتد عليها المغص ، فزاد تقلصها وتشنجها وهذيانها ، سألها هذه المرة بجزع وهو يضغط بكل قوته على دواسة البنزين ليسرع السيارة : " بماذا تشعرين يابنت الحلال ، أخبريني الله يهديكي ؟ ". لم ترد عليه ، لكن آهاتها وأنينها وحركاتها العنيفة كانت أبلغ من الكلام ! ولسوء الحظ أيضا تعطلت السيارة مرة أخرى وتوقفت عن المسير ، نزل يطالع في المحرك المتوقف فلم يجد به شيئا ، وكانت بين حين وآخر تمر به بعض السيارات المسرعة ، فيشير إليها وهو يصرخ مستنجدا ، لكن إشاراته وصرخاته لم تجد عند الناس صدى ، حاول مرات ومرات أن يشغل السيارة وهو يدعو ربه ، فهو وحده العالم بالطارئ الذي ألم بهما ، وأخيرا وبعد مرور ساعات مريرة دارت السيارة ، فإنطلق بها وهو يزفر زفرا ! حين ولج عليثة بسيارته البلدة إتجه مباشرة إلى أحد المستوصفات ، ترك السيارة دائرة وجرى نحو بابه يستنجد بالموجودين ، حضر من الداخل على عجل بعضا من الرجال تبعهما ممرضتين أجنبيتين بلباس أبيض ، إمتدت الأيادي إلى الباب وفتحته ، ثم جذبا البنت من مقعدها ، حملها رجلان ، أحدهما كان يمسك برجليها والآخر كان يرفعها من تحت إبطيها ، وكانت الممرضتان ينحنيان عليها ويرطنا بلغتهما كلاما غير مفهوم ! كان عليثة ينظر إليهم نظرة المغشي عليه من الموت ، حين بدأوا يتحركون بها نحوالداخل رآها ، كانت أشبه بسمكة ميتة ألقتها أمواج البحر إلى الشط ، سمكة بلا روح ، سمكة رخوة بعينان جاحظتان ، وفم يسيل منه زبدا أبيضا ! أصبح عليثة بعد رحيل زوجته فارغ الفؤاد حزينا ومهجوسا ، وعاد ثانية إلى خلائه ، وصار كما قال (إيليا أبو ماضي) : " يسيرفي الروض الأغن فلا ترى عيناه غير الشوك في أرجائه ويحار .. بين مجيئه وذهـابه ويحار .. بين أمامه وورائه إن نام لم ترقد هواجس روحه وإذا إستفاق رأيته كالـتائه ! ". قضى عليثة شهورا مفزعة في وحدته غير مصدقا أو مستوعبا ماحدث ، كانت تؤرقه أوهاما كثيرة حين يكون في وحدته بالبيت ، هذا الأرق سبب له إستنفارا لحواسه فجعله ينام على سريره كالوتر المشدود ، كان يهب منتفضا حين يسمع نحيب بكائها يتدفق في أذنيه ، فيهرول مسرعا على الدرج وهو يصيح : " يمنى ، يمنى ، أين أنتي ؟! ". لكنه حين يدلف إلى المجلس كان يجده خاويا ! وإستمر على هذا الحال شهورا إلى أن دقت بابه ذات مساء ودخلت مسرعة دون أن تستئذنه ، ثم قالت قبل أن تجلس : " أراك ياولدي قد حملت هموم الدنيا كلها فوق رأسك ، وتريد أن تقضي دونما سبب جوهري ، أمن أجل عابرة سبيل جاءت ورحلت وكلنا على ذي الحال ، تفعل في نفسك هكذا وتبتئس على ماليس لك به علم ؟ ". أجابها بإنكسار وهو منكس الرأس : " الفرقة صعبة علىّ ياعمتي وخاصة أنها كانت تحمل جنيني ! ". قالت بلا مبالاة وهى تجلس : " حلها بسيط ، فأنت مازلت شابا وتملك القدرة ، فداوها بذات الداء ! ". قال : " بذات الداء كيف ياعمة ؟ ". قالت بسرعة وبحسم : " أعني لا تضيع عمرك على مافات ، فلا أنت أول ولا آخر من ترمل ، تزوج ياعليثة ثانية ولا تبكي على اللبن المهراق ! ". عليثة بعجب : " أتزوج ثانية ؟! ". قالت مؤكدة : " نعم ثانية ، بل ثالثة ورابعة ، ألا يبيح شرعكم هذا ؟ ". سألها بعجز واضح : " وأنىّ لي أن أفعل وقد .. ". قالت مقاطعة : " محلولة ياولدي ، العروس موجودة ، بنت تشبه الخالق الناطق يمنى في الجمال والطول والعرض ، أرملة تركها زوجها وهى في عز شبابها ، ومثلك ياعليثة مقطوعة ووحدانية وليس لها من يرعاها ، وفوق ذلك البنت ملاحظتك ومراقبتك وتعلم كل شيئ عنك ـ متلمظة وهى ترفع حاجبها ـ وهى تريدك ياحبيبي وتتمنى الإرتباط بك ! ". في دهش : " تعرفني وتريدني وتتمنى الإرتباط بي ؟ ". أم حنيش مبتسمة : " نعم فهى تسكن وحدها في آخر حارتكم يعني جارتكم ، وكانت تضع عينها عليك منذ سنوات ! ". عليثة مستنجدا بمشورتها : " أترين هذا حلا لمشكلتي ياعمة ؟ ". قالت : " بكل تأكيد ، فالبنت تريد الستر ليس إلا ، لا تطلب مهرا ولا شبكة ، وإن كنت أرى أنا أن هذا غير مناسبا ، أعطها هدية أمك ياعليثة قبل أن تعقد عليها والسلام ". ثم نهضت واقفة وهى تقول دعني أرتب لك الموضوع ، هه أقعد بالعافية ". أراد أن يقوم وراءها لكنها أوقفته قائلة : " خليك محلك ياعليثة أنا أعرف طريقي ". وفعلا لم ينهض عليثة من جلسته إلا بعد سماعه خبطة باب البيت ، إتجه إلى المطبخ وهو غارق في أفكاره التي ترتبت على زيارة العجوز ، ومن نظرة عابرة إلى باب الخروج تجمد في مكانه وهو يتعجب مما رأى ، فسأل نفسه : " كيف خرجت أم حنيش من باب البيت والسكاك (الترباس) مازال في مكانه كما دسه بعد دخولها ؟! ". تزوج عليثة من جارته الأرملة الشابة التي كانت تضع عينها عليه ، فتاة شابة تشبه ملامحها إلى حد كبير زوجته الأولى ، لكن هذه أكثر عنفوانا من سابقتها ، هذه حركية لا تهجع ، عصبية لا تخضع ، أكولة لا تشبع ، شبقة لا تقنع ! في شهورها الأولى كانت هادئة ومطيعة سحرته بدماثة خلقها ، وجعلته لا يندم على فراق زوجته الأولى ، فقضى شهورا هانئة و سعيدة إلى أن حملت منه حملا طبيعيا ، فإنقلب الحال ، أصبحت عصبية إلى حد العدوان ، ونهمة إلى حد الإدمان ، وبطئت حركتها وبدأت تتجنب رؤيته في أى مكان ! عزى عليثة هذا لظروف الحمل والتغيرات الهرمونية التي تحدث عند النساء ، فأخذ يتجنبها هو الآخر ويتحلى بضبط النفس ويتعلق بحبال الصبر ، من أجل وليده الذي ينمو في رحمها ! فمن طبيعة عليثة أنه يجنح إلى العيش ـ كما خلق الله ـ في هدوء وسلام ، يتجنب الإشتباك مع الغير في أى موضوع ، حتى لا يتطور النقاش إلى عراك ، لكن العالم المحيط به لا يرضى بهذا ، ولا يرغب في عزوفه ! ففي ثورة من ثورات غضب زوجته لسبب تافه ، قذفته بملعقة تقليب الطعام الكبيرة ، إنطلقت الملعقة صوبه ونصلها موجه إليه ، كالرمح المقذوف من وتر قوس مشدود لآخره ، كان من الصعب على عليثة أن يتجنبه ، لكنه لم يجزع ولم يميل ليتفاداه ، وفي لمح البصر تقلصت ملامحه وإتسعت عيناه وتوجهت نظرات غريبة منه نحو الرمح ، قبل وصوله إلى هدفه بعدة أشبار ، توقف الرمح ( الملعقة) في الهواء ! كانت (يسرا) تتابع الرمح المنطلق نحوه بلا مبلاة ، بل بشيئ من الفرح ، لأن الغضب أعماها عن نتيجة فعلها ، فلما رأت المعلقة معلقة في الهواء أمام وجهه ، عادت إلى رشدها وإنفغر فاها دهشا وإستغرابا ، بل وندت عنها صرخة ، وإزداد عجبها وإستغرابها ، حين رأت الملعقة تلتوي وتتلوى كأن قبضة قوية من عملاق رعديد قد قبضت عليها ، وأخذت تبعجها كما تنبعج كرة العجين في يد العجان ، صارت الملعقة ككرة ملعقة تدور حول نفسها في الفضاء ، ثم فجأة تركتها يد العملاق فسقطت على الأرض تتدحرج وتجري ! " لم يقولوا لي أنك ساحرمقتدر ؟! " ـ قالتها في عجب وهى تترك المكان على عجل . يتذكر عليثة في صغره أنه تعرض لحادث وأصيب بعرج في إحدى رجليه ، وإنهم عالجوه بزرع حدايد في فخذه ، وإنه حين عاد إلى منزله بدأت تظهر عنده قدرات لم يكن يشعر بها ! هذه القدرات مكنته من فعل بعض الأشياء التي كان يتلهى بها صغيرا ، والتي تعتبر غير مألوفة أو خرقا للطبيعة ، وهو ما يعرف علميا بالتركيز الذهني (تلكنيزي) ! فقد إستطاع في البدء أن يؤثر على بعض الأشياء البسيطة كأدوات المائدة ، وذلك بالشعاع الخفيّ الخارج من نظرات عينيه ، والصادر بأوامر مركزة من مخه ، فكانت تتحرك على المائدة في تشكيلات يرغبها ، أو ترتفع إلى الهواء وتحوم مثل الفراشات ، إلى أن تدرج وحرك قطعا كبيرة من الأثاث من أماكنها ، أو إيقاف حركة دوران مروحة السقف التي كانت قد علقت بالمجلس ! وقد إستغل عليثة هذه القدرات في صباه ، في خلق شغب محبب إلى نفسه أثناء دراسته ، كأن يجعل قلم زميله يتحرك إلى زميل آخر ، أو كتاب يتحرك من أمام المدرس إلى مكان بعيد ، لكن أمه نصحته بالتوقف عن هذا ، وإخفاء هذه القدرة وإلا إتهموه بأنه ذو عين حارة (حاسد) فيصبح مكروها ومنبوذا من الناس ! ليس هذا فقط ، فحين بلغ مبلغ الرجال توسعت مقدرته وأصبح يتواصل أو يتلقى مشاغبات أخرى صادرة من عوالم مجهولة ، يسمع أصواتا أو ضحكات دون أن يكون هناك أحد ، أو صرير فتح أبواب أو غلقها ، أو قرقعات الأواني في المطبخ ، أو وقع أقدام ، أو حتى ثقل أجسام تهبط بجواره على السرير بأنفاس مسموعة ، لكن حين يفتح عينه لا يجد إلا الخواء ، وقد عود عليثة نفسه أو إعتادها بتكرارها ، ولم يعد يأبه أو يتأثر بها ! دخلت علاقة عليثة بزوجته مرحلة جديدة بعد حادث الملعقة ، إذ أصبحت تتحاشى لقاءه ، فإن صدف وتلاقا صدفة أسرعت بالإختفاء وإندست في أى ركن ! أخذ عليثة يتعجب من هذه الحياة التي أرغم عليها ، أو وجد نفسه محشورا فيها ، كحمامة وديعة حشرت في قفص مليئ بالغربان ! كان يتعجب من صنف النساء التي أوقعته قسمته ونصيبه فيهن ، ومع هذا قرر التحمل والإستمرار في هكذا حياة حتى لا ينحرم من جنينه القادم ، بل أقنع نفسه أن هذه المرأة حين تلد وترى في حضنها جنينها ، سوف تتغير ويختفي جنونها ! لهذا تركها لحالها في عزلتها ، ولم يحاول التطفل عليها ، لا يتطلب منها عذرا ولا يأكل من طهوها حذرا ، ولا حتى يرجوها الكف عن حرق بخورها القاسي الذي كان يؤذي شمه ويدمعه ، فقد كانت لا تكف عن غمر البيت بغلالة كثيفة من الدخان ، برائحة غريبة تشبه رائحة حريق إطارات السيارات ! ولم يطلب منها أيضا أن تبدل ملابسها الحزينة القاتمة ، أو عصابة رأسها البغيضة التي تشبة عصابة النوّر(الغجر) ، ولم يطلب منها أن توقف أو تخفض من عواء تمائم أدعيتها الرتيبة الرهيبة ، التي ليس لها معنا يفهمه ، والتي تضجرة بها كل ليلة وتجلب له التشاؤم والقنوط ! في مرة وحيدة قرر أن يطلب بعضا من هذه المطاليب ، كزوج أو شريك في البيت له حقوق لابد أن تراعى ، بعد أن كاد أن يختنق من رائحة البخور التي تصعد بطبيعتها كمادة غازية إلى أعلى ، فنزل إلي المجلس ليجابهها لكنه فوجئ أنها كانت مستعدة للحظة المجابهة ! كانت تجلس وسط المجلس وأمامها مبخرة البخور التي يتصاعد منها الدخان الأزرق ، وكان بجوارها يد الهاون النحاسية (إناء الطحن بالدق) ، فلما رأته أسرعت بالإمساك بها ووجهتها إلى بطنها وهى تصيح فيه مهددة : " لا تقترب مني ، إبتعد عني ، قسما لو فعلت لخبطت جنينك بيد الهاون وقتلته في الحال ! ". فكان أن تلاشى من أمامها خسفا ، وعاد لغرفته غضبان أسفا ! ورغم إبتعاده التام عنها ، إلا أن أذاها لم يبتعد عنه ، ذلك أنه كان يصحو في بعض الليالي على هسيس نفسها ليجدها تقف فوق رأسه ، وحين يفتح عينه الناعسة تسرع بإخفاء يدها خلف ظهرها ، وكأنها لا تريده أن يرى ما بها ، ثم تتحرك إلى الباب ببطئ دون أن تبدي عذرا ! وضبطها مرة وهى تمد كلتا يديها نحو عنقه ، لكنها حولت يديها إلى غطائه وسحبته فوقه ثم إنصرفت ! وأخرى حين إنخلعت إحدى درجات السلم الخشبي وسقط فوق الدرج دون إصابة ، ولما فحص الدرجة علم أنها عبثت عمدا ! ورغم أن للصبر حدود كما يقولون ، إلا أن صبر عليثة كان بلا حدود ، فكان يتجاوز عن كل شغب ، بلا كلل أو ملل أو تعب ، آملا أن الفرج قد إقترب ! لكن يبدو أن هذه الأحداث قد أثرت على عقله الباطن ـ كان هذا تحليله ـ لأن ذلك إنعكس على أحلامه ، فقد أقلقه أن يرى حلما يتكرر بطله الرجل القصير ذو الجلباب القصير واللحية البيضاء الطويلة ، الرجل الذي يدعو الناس للتبرع لمنظمة إسلامية ، ويقف قريبا من البنك الذي يعمل به ، هذا الشايب يصيح عليه ويشير إليه قائلا : " يا باغيّ الخير اقتل .. ياباغيّ الخير اقتل .. اقتل .. (بدلا من اقبل) ! ". فاجأت يسرا زوجها عليثة في شهر حملها الثامن بتغيرات جد أسعدته ، وجعلت صدره ينشرح إذ تحققت توقعاته التي كان متأملا بها ! فقد أقبلت عليه وغيرت من أسلوبها العدواني الجاف ، وأظهرت حسن ماكان مخفيا في شخصيتها ، أظهرت الكلام اللين والخلق الطيب والطاعة المحببة لدى كل الأزواج ، قابل عليثة إحسانها بإحسان ، وإقبالها بإقبال وطاعتها بطاعة تفوقها في الحسبان ! إلى أن جاء يوم ونسبت ضيق صدرها لحبستها بالبيت ، ورجته أن يأخذها للتمشية (الفسحة) إلى أى مكان مبهج ، قبل أن تنشغل بولادة وليدهما ، فوافقها على الفور ، وأخذ يعمل رأسه في مكان مبهج يأخذها فيه ليذهب عنها الضجر ! وكأنها كانت تقرأ أفكاره وعرفت حيرته فإقترحت عليه ، أن يأخذها إلى منطقة العلا وإلى برها الفسيح وإلى جبلها العالي المسمى ب (أم درج) ! تعجب عليثة لطلبها هذا فصاح : " العلا ، أم درج ، هذه أول مرة أسمع بهذه الأسماء ، وحتى إن كانت موجودة فعلا ، فأنا لا أعرف الطريق إليها ! ". قالت تطمئنه : " ماعليك ، أنا أعرف المكان وسأدلك على الطريق ، لأني زرتهما أكثر من مرة ! ". في اليوم الذي إتفقا عليه أخذا زادهما وزوادهما ، وإنطلقا صوب الشمال على الطريق المحاذي للبحر ، وكانت الرحلة طويلة تستغرق ساعات وساعات ، لكنهما كانا يتوقفا ليتناولا بعضا من المأكولات والأشربة التي جلباها معهما ، وإنتهى الطريق الساحليّ عند قرية بدر ، ودخلا في طريق آخر يؤدي إلى المدينة المنورة ، ثم صعدا شمالا إلى منطقة خيبر ، بعدها توجها إلى منطقة العلا ! حين وصلا رفع عليثة بصره عاليا وهو يقول : " ياله من جبل عالي ! ". أجابته بسرعة : " هيا لا تضيع الوقت ، دعنا نصعد على هذه الدرجات المنحوتة ! ". قال بخشية الحاذر : " إنه عال يايسرا وأخاف أن تنزلق قدمك أو يصيبك مكروه ؟ ". أجابت وهى ترتقي الدرجات بخفة : " لا تخش علىّ ، فليست هذه أول مرة أرتقيه ! ". فبدأ يتبعها عن قرب وهو لا يتوقف عن تحذيرها من كسرة درج أو نتوء صخرة ، بل يرجوها أحيانا التوقف لإلتقاط الأنفاس خشية عليها وعلى مافي بطنها ، لكن البنت كانت تصعد على الدرج ، بهمة عملاق وفرحة مشتاق قد عزه اللقاء والعناق ، إلى أن وصلا إلى القمة ! على قمة الجبل أخذ عليثة يتأمل التلال الأثرية ، التي تنتشر عليها أجزاء من تماثيل غريبة وأخرى لألواح عليها نقوشا عجيبة ، أغلب التماثيل مهشمة ، لكن بقى منها بعض الرؤوس أو الأبدان أو أجزاء من أقدام ، قال عليثة لنفسه وهو يتأمل مايراه " لابد إن هذه المنطقة كانت تخص أقواما وثنية فنيت ! " ، فعقبت عليه البنت التي كانت بعيدة عنه وكانت تتقافز من السعادة : " أصبت ياعليثة في تساؤلك ! ". في الوقت الذي تحرك عليثة صوب فجوتين كبيرتين منحوتتين ، يمثلان خزانين كبيرين لمياه الأمطار ! في الوقت الذي إبتعدت هى في الإتجاه المعاكس صوب التماثيل ، أخذ عليثة يستطلع الخزانين المحفورين من قمة الجبل إلى قاعه على هيئة قمع ، ويتعجب من مقدرة من حفروا هذه البؤر العجيبة حتى يخزنوا الماء داخلها ، ثم إتخذ لنفسه مقعدا على حافة أحدهما وأخذ يتلهى بالنظر إلى الماء المحبوس ، لأنه تهيأ له أنه رأى في الماء حركة لأجساما داكنة ، تشبه الأسماك تعوم تحت سطح الماء الراكد الداكن ! لكن تأملاته هذه أوقفتها أصوات عواء زوجته التي يعرفها حين تتلو تمائمها ، فقام متجها إليها لأنه رآها قد أشعلت البخور عند رأس الصنم الكبير ، وكانت تعوي وهى تهتز للأمام والخلف قائلة : " ياغيبة ياغيبة ، لك العظمة والهيبة ! " . إستشاط عليثة غضبا وجذبها من كتفها بقوة وهو يوبخها قائلا : " ماهذا يابنت ، أتشعلين البخور وتقدمين النذور لصنم أصم ، إنه والله تقليدا للوثنيين ، إنهضي وقومي وإستغفري لربك وإلا كفرتي ! ". تحولت نظرات البنت فجأة من الوداعة إلى الشيطنة ، وعادت إلى سحنتها القديمة ثانية ، السحنة التي تمتلئ بتقاسيم الغضب والبغض والعنف والفرعنة ، ضربت يده الممسكة بها بقوة وهى تنهض موجهة إليه كل قبيح من الشتائم ، ثم فوجئ بها ترطمه بقطعة حجر تشبه القدم على رأسه فتشجها ، فلما تحسس رأسه لطمها بيده التي تلوثت بدم رأسه المشجوجة ، هجمت عليه وعضت يده بأسنانها ثم إلتحما في عراك عنيف ، سقطا على أثره إلى الأرض القاسية التي يغطيها التراب والحصى ! ورغم شراستها في الضرب ورغم جروحه البليغة ، إلا أنه كان يحاول بما أوتى من قوة أن يصدها ويهدئها حتى لا تفقد جنينها ، لكنها تمادت وتمادى وأخذا يتقلبان على خشونة الأرض إلى أن وصلا إلى حافة أحد الخزانين ، ويبدو أنه فهم أنها كانت تريد جرفه إلى الحافة وقذفة في الخزان ، فإستمات في الدفاع عن نفسه والزحف بعيدا عن الفوهة ، لكن البنت كانت مصممة على فعلتها لأنها كانت تدفعه نحو الفوهة بعد كل ضربة حجر ، فما كان منه إلا أن دفعها بقوة بعيدا عنه ليتخلص من قبضتها وسطوتها ، فسقطت من فوقه وتدحرجت خلفه في دورات ، أدت إلى إنزلاقها من الحافة إلى عمق الخزان وهى تصرخ وتولول ! حين نظر إليها من أعلى أخذت تصرخ به وتستنجد وهى تغوص وتطفو على سطح الماء ! وكان الماء ...ا الماء الذي كان راكدا وداكنا ، قد صارهائجا ومائجا ، يدور ويلف بعنف حول نفسه كالدوامة ، يعلو ويهبط يلعق بألسنته العديدة جدران الخزان في غضب ! أخذ عليثة يصرخ عليها في هستيرية ويرجوها المقاومة ، ثم جرى بعيدا يبحث عن عمودا أو سلكا أو حبلا أو أى شيئ يقذفه إليها لينقذها ! عليثة إبن الصياد إبن الربان إبن النوخذة الذي كان يجوب البحار ، لا يعرف ـ للأسف الشديد ـ السباحة وكان ينفر من صغره من ولوج البحر ! حين عثر على قطعة من الخشب أسرع إلى الخزان وألقاها إليها وهو يصرخ : " تعلقي بالخشبة يايسرى وتماسكي أرجوكي حتى آتي بالنجدة ! ". حضرت معه شرطة قرية العلا بعد أن قص عليهم القصص ، وإنتشر الرجال على سطح الجبل يدققون ويتحققون ، وألقى فريق الدفاع المدنيّ بحبالهم إلى الخزان وأسرع غواصيهم بالنزول ! الموجودون على السطح لم يجدوا آية آثار تدل على حرق البخور ، والصاعدون من الخزان لم يعثروا إلا على خشبة طافية فوق سطح المياه الراكدة الداكنة ! حجزت الشرطة عليثة بالقسم عدة أسابيع على ذمة التحقيق بعد أخذ إفادته ، قاموا خلالها بتحريات عدة في جهات متفرقة ، كان أبرز ثلاث إفادات وردت إليهم ، هى ، من مدير البنك الذي يعمل به ، ومن المأذون الشرعي لقريته ، ومن ملجأ الأيتام الذي ذكره في إفادته ! إفادة المدير تقول " أنه موظف أمين ومخلص في عمله ، لكنه إنطوائي ومبهم ، وحياته تكتنفها الغموض ! ". وإفادة المأذون تقول : " لا أعلم عن إسم الشخص المذكور أى شيئ ، ولم يحدث في أى يوم من الأيام أن عقدت قرانه على أى أنثى ! ". وإفادة ملجأ الأيتام تقول : " لا نعلم أن يتيمة تربت عندنا كانت تسمى بإسم يمنى ، ولم يتزوج أحدا من هذه القرية بالذات بأى فتاة من ملجأنا ! ". وبناءا على هذه المعطيات بجانب أنه لم يعثر على جسم الجريمة (الجثة) ، فلقد قررت الشرطة الإفراج عنه بضمان وظيفته ، وقد أوقعوه على تعهدا بعدم الإقتراب مرة أخرى من هذا الجبل ، بعد أن شرح له رجل الحسبة ومندوب هيئة الأمر بالمعروف ، سبب تعهده قائلا : " إن زيارة هذه الأماكن الملعونة محظورة ، لأنها تحمل آثار عبادات وثنية كانت تقوم بها أقواما بائدة من اللحيانيين ، لإله لهم يسمى (ذو غيبة) ، وذلك قبل ظهور الإسلام بعهود طويلة ! ". أثناء عودة عليثة بسيارته كان الطريق مظلما وخطرا ، وذلك بسبب هبوب الرياح الموسمية المحملة بالرمال والغبار ، فقاد سيارته ببطئ حتى وصل ديرته متأخرا عدة ساعات ! وحين عاد إلى عمله صباح اليوم التالي ، قابله المدير بوجه عبوس وأسلوب غير مريح ، وبعد أن إستمع على مضض لقصته ، علق بصبر نافذ : " يبدو أن كل من يقترب منك يذهب بلا عودة ، ماعليه ، لقد قررت نقلك إلى خدمة العملاء ، وعينت مكانك صرافا جامعيا مؤهلا ، هو إبن عم فيصل زميلك ، المهم إذهب إلى عملك الآن وفي نهاية اليوم سلمني عهدتك ، ومن أول الأسبوع القادم إجلس بالخارج بجوار شودري الهندي ! ". حزينا ومشوشا توجه إلى مقعده خلف النافذة وبدأ العمل ، حين بدأ العملاء يتقاطرون ، أخذ يراجع أوراقهم ثم يوقعها ويختمها ويقبض أو يصرف ، وحين إنهمك في دورة العمل التي تحتاج تركيزا قويا ، زالت عنه غمته ونسى همومه وسر وأنشرح ! بعد نهاية اليوم الأخير له كصراف ، أخذ يرتب أوراقه ويراجع حساباته ، ثم سحب الدرج الخشبيّ ليخرج النقود الورقية التي جمعها ، حتى يعيد عدها وتصنيفها وربط كل فئة منها بالإلاستك المغاط كالعادة ! خرج الدرج سهلا في يده لكنه لعجبه كان .. خاويا ، مكث عليثة برهة ينظر إلى الدرج الخالي بإبتسامة بلهاء إرتسمت على فمه ، فقد كان غير مصدقا مايراه ، ورغم ذلك كان عقله يصرخ بهلع " أين النقوووووووووووووود ؟!!! ". إنتفض عليثة من مكانه كمن لدغه عقرب ، وأخذ يحرك الأشياء ويقلب الملفات و الأوراق ثم هبط إلى الأرض يتلفت تحت المكتب وتحت الكرسي ويقلب في علبة القمامة دون جدوى ! والنتيجة أنه لم يعثر على شيئ ، وكأن الأرض إنشقت وإبتلعت غلة اليوم من النقود ، ولما يئس أسرع إلى المدير يخبره بما حدث ، صاح المدير في وجهه غاضبا : " ماذا تعني بأن الفلوس قد إختفت ، أتتهم أحدا من زملائك بأخذها ؟! ". قال وهو يهز رأسه : " لا أتهم أحد لأني لم أغادر مكاني ! ". • : " إذا أين ذهبت النقود ؟! ". • : " لا أدري ! ". • : " هل بحثت عنها جيدا ؟ ". • : " مرات عدة ". • : " إسمع ياعليثة ، أنا لا أريد شوشرة بالبنك ، سوف أعطيك مهلة حتى نهاية الأسبوع القادم لتحضر النقود ، وإلا أبلغت إدارة البنك والشرطة ، ولولا معرفتي بأمانتك ما كنت خاطرت وطرحت هذا الحل ! " ـ هذا ما قاله المدير بعد لحظة تفكير ، وهو يعدل من وضع شماغه . إشتدت العاصفة الترابية عنفا فإسودت الدنيا وضعفت الرؤية في عز النهار ، كانت الأعمدة تهتز والنوافذ والأبواب ترتج ، فأغلقت المحلات أبوابها والبيوت نوافذها ، وقلت حركة السيارات والمارة في شوارع القرية ! كان عليثة راجعا إلى بيته يسوق سيارته على مهل وأنوارها مضاءة ، وكان الغبار الدقيق يلصق بزجاج السيارة فيزيده إعتاما ، وكانت أوراق الصحف وكراتين الخضار وأكياس التعبئة وأوراق الأشجار ، تتطاير مع زوابع الريح في حركات بهلوانية أروع من الحركات ، التي يقوم بها بهلوانات السيرك أمام كم من الأطفال المشدوهين ! أسرع عليثة بدخول بيته هربا من زوابع الغبار ، كان يشعر ككل الناس بالإختناق وصعوبة في التنفس من هذا الهواء الملوث ، كان من الصعب الهرب من الغبار لأنه كان يتسرب من فتحات دقيقة غير معلومة بشقوق البيوت ، إستنشاق هواء محمل بذرات التراب يجعل الصدر ضيقا حرجا كأنك تتصعد إلى السماء ، يزداد قلقك وتظهر عصبيتك ويعمك زهق وضيق ! قضى عليثة ساعات متواصلة في مكان واحد ، جثته كانت متكئة على (تكاية) المجلس ، وعقله كان شاردا يستعرض رحلة حياته كلها وما حدث فيها ، لم يلحظ أن البيت صار غارقا في الظلمة ، فلقد أحاطته حلكة الظلام من خارجه ومن داخله ! دقات متواصلة أزعجته وأخرجته من رحلة ذهوله ، قام متجها إلى الباب مؤملا أن تكون أم حنيش هى من تدق بابه ، لكنه لم يجد أحدا ، وظلت الدقدقات المتواصلة تقرع أذنيه فأقلقته وعصبته ، صار يدخل غرفة وراء أخرى بحثا عن مصدر هذه الدقدقات ، كل النوافذ في الدور الأرضي والذي يليه كانت مغلقة بإحكام ، لم يبق إلى السطح فصعد متجها إليه ، فتح باب السطح فهاجمته زمجرة الرياح العاصفة الغاضبة فأوقفته ، لكنه لاحظ في هذه الظلمة الهوجاء أن سقف (عشة) الدجاج ، التي كانت تستخدمها أمه في تربية الدواجن هى مصدر الدقدقات ! حين أراد العودة داست قدمه شيئ لين ، صرخ الشيئ (نااااو) وخربش رجله وقفز إلى الظلمة ، إعتقد أنها قطة سوداء كانت راقدة دعسها فعضته وهربت ، لكن بعد هروبها سمع صدى قهقهات آدمية تصفق أذنيه ! في المطبخ عالج عليثة جروح خربشات القطة السوداء ، ثم إنهمك في تجهيز عشاءه بسمكة أطول من كفه بقليل ، أذابها ثم نظفها وقطعها نصفين وأملحها ، وحين حميّ الزيت على النار أسقطها وأخذ يقلبها بين حين وآخر ، حين إستوت وضعها في طبق ، ثم أطفأ شعلة النار وذهب إلى المجلس ليتعشى ! رغم أن عليثة لا يحب الإستحمام في البحر أوركوبه ، إلا أنه تربى على حب أكل أسماك البحار ، يحب لحم أسماك (الناقل والهامور والشعري والتونة والكشر والبياض والحريد) ! حين ينهمك في أكل السمك ينسى تماما ما حوله ـ كما هو الآن ـ ينسى زمجرة الرياح وقرقعات السطح وذرات الغبار الخانقة ، وطقطقات المطبخ التي أصبحت زاعقة ! " حقا أصبحت الطقطقات والفرقعات الصادرة من المطبخ زاعقة ، إيش الحكاية ؟! " ـ هذا ما قاله لنفسه حين إنتبه وتوقف عن الأكل ونهض ليرى ماذا يحدث . قبل أن يقترب من المطبخ رآها ، إنها نارا حامية ! . ندت منه صرخة ألم وهو يصيح بأعلى صوته " حرييييق ! ". في هذه اللحظة لطمه تيار هوائيّ بارد من خلف ظهره ، كأن شاحنة كبيرة مرت مسرعة خلفة ، فجعلت جسده يقشعر ، وينتفض شعر رأسه واقفا كالمسامير ! تمالك نفسه وحاول أن يندفع إلى المطبخ ، لكن النار أوقفته ، كانت قد أمسكت بكل شيئ ، وكانت حرارتها اللافحة تمنع الإقتراب ، وكان الدخان الأزرق يتجمع كالسحب الكثيفة في حلقات متداخلة قرب السقف ! كان منظر النيران رهيبا وهى تلتهم محتويات المطبخ ، لم يكن عليثة مؤهلا لمجابهة حريق ، فوقف مسلوب الإرادة يتفرج على هذا (المارج من نار) وهو يبتلع كل شيئ ، حاول المارج الأحمر الخروج إلى باقي البيت بعد أن أتى على المطبخ ، لكن عليثة المستنفر والتي كانت نظراته قد صارت غاضبة ثاقبة .. أوقفته .. ظل عليثة مسلطا نظراته بقوة على المارج دون أن يرف له جفن ، فبدأ المارج يتراجع ويتلملم وينكمش ويصغر ويذوى ويتضاءل ويتلاشى ، إلى أن فنى .. حين خبت النيران كان كل جسد عليثة قد صار منهكا ، عقله وعظامه وعضلاته وأعصابه ودماؤه كلها أرهقت تماما ، ولم يعد يقوى على الوقوف ، إنهار على الأرض يبكي ويرتجف ، وأخذ جسده يفرز أنهارا من العرق الغزير ! بعد ساعات أفاق وبما تبقى من قوته أخذ يزحف ببطئ على الأرض نحو المجلس ، أراح جسده على الحشية ثم نام أو أغشىّ عليه ، لم يدري كم من الوقت مضى عليه راقدا هكذا في هذه (الليلة الرهيبة) ! سمع صوت عمته أم حنيش تنادي عليه : " عليثة ياعليثة ؟ ". أجابها بصوت مخنوق : " نعم ياعمة ". قالت بحنان بالغ : " معليش ياولدي .. لن تنجو من قدر محتوم ! ". • : " قدرمحتوم ! .. لا أفهم شيئا ياعمة ؟! ". • : " ياولدي هذه حكاية طويلة ، بدأت في زمن قديم وتنتهي عندك ، لأنك أنت (اللاقح الموسوم) ! ". • : " زدتها غموضا ياعمة ؟! ". • : " إسمعني زين ياعليثة ولا تحزن ، فنحن نساء قوم فنوا نعيش في الجزيرة الصغيرة المهجورة أمام قريتكم منذ عهود ، ونحن لا نظهر إلا في حلكة الليل البهيم ، وأحيانا نجتمع في أماكن عدة ، ولعلك تذكر (الحلقة) التي كانت تجمعنا مع أمك لأنها واحدة منا تزوجها أباك ، وهؤلاء القوم موعودون بالبعث إن إنولد لهم غلام من أم منا وأب منكم ذو خوارق ، وهذا الأب (الموسوم) أو اللاقح له دلالات وعلامات مدونة بألواحنا ، وكنا على مر العهود والدهور نرصد مجيئه ونراقب ظهوره ، إلى أن ولدت أنت وظهرت خوارقك ، فعرفنا أنك اللاقح الموسوم ، والنبوءة تقول : ( أن البنت إذا تلقحت وتأكدت من حملها .. فعليها أن تقتل بيدها بعلها ! ) ، كما تفعل ملكات النحل ، وأنت سيد العارفين ! وكان عندي إبنتان هما يمنى ويسرى ، فوضعناهما في طريقك ، أما يمنى فلأنها خيرة .. أحبتك ورفضت قتلك ، فقتلناها بالفطر المسموم ، عطلنا سيارتك حتى تشتد حرارة الشمس ، فيهبط الفطر الجيد إلى عمق التربة ولا يبقى إلا الفطر المسموم ، وعطلنا سيارتك في العودة حتى يسري السم في بدنها وتموت ، عقابا لها على مخالفة شريعتنا ! أما يسرى فصيح أنها شريرة لكنها محافظة على عهودنا ، وقد حاولت قتلك مرات ومرات ، لكنها لم تنجح ، ولهذا أنقذناها من الغرق حتى تكمل مهمتها ، فمعليش ياولدي ، هذا هو قدرك المحتوم ، وإلى أين ستهرب منه أو منها ؟! " . تلاشت صورة أم حنيش وحلت محلها صورة يسرى تهمس : " عليثة ياحبيبي ، أعطني الآن قبلة الوداع " ، ثم ركبت فوقه ومالت عليه لتقبله ! ورغم أن عليثة كانت كل قواه خائرة ، وكانت عضلاته رخوة وواهنة ، إلا أنه رفض قبلتها وأخذ يصارعها ويلطمها في مواضع عدة وهو يصرخ : " إبعدي ، إبعدي عني ياشريرة ياملعونة ، إبعدي .. إبعدي .. إبعديييييي .. " ! تنبهت حواس عليثة وفتح عينيه ، وجد نفسه مازال راقدا على حشية المجلس ، عرف أنه كان يحلم وأن الحلم كان كابوسا مرعبا ، نتيجة تأثر عقله الباطن بأحداث الليلة الرهيبة التي مرت به ، أدار وجهه إلى الجانب الأيسر وتفل ثلاث مرات وهو يستعيذ بالله من الشيطان الرجيم ، كما تعلم ! نهض وأضاء النور وأخذ يمسح على جبهته المعرقة ، أراد أن يرجع ثانية إلى فرشته ، قبل أن يجلس لمح بريق القلادة الذهبية ، القلادة التي كانت ترتديها يسرا حين ذهبا لرحلتهما ، كانت القلادة ملقاة بجانب حشيتة وسلسالها منفرط ، أخذها في يده وأخذ يتأملها بعمق ، راحت أفكاره تدوروتدور ، مثل دوامة الماء في الخزان ، ألسنة المياه التي كانت تدور بعنف ، صارت تلحس جوانب عقله إلى أن إلتحس ، فأخذت عينيه الزائغتان تدوران في محجريها ببطئ ، تتحرك كعقارب الساعة ، أحس أنه عقرب صغير يدور ، وأن هناك عقربا آخرا أكبر منه يتبعه ، يلاحقه ، يريد الإنقضاض عليه ، والقضاء عليه ! فإلى أين الفرار ؟ وعقارب الساعة محاطة بالإطار ، والعقربان يجمعهما نفس المسمار ! .. لا مفر إذا (كما قيل له) مما كتب في الأقدار ؟! صلى عليثة الفجر في مجلسه ، ثم بحث عن ملابس أبيه ، الثوب الأبيض المبقع والمشبع بزفارة السمك ، والشماغ الباهت الكالح ، لبس الثوب ، ولف رأسه ووجهه باشماغ ماعدا عيناه ، ثم إتجه إلى باب البيت .. وفتحه ! هل كل كلمات الأرض وبكل لغات العالم ، المنتشرة بالكتابة أو بالكلام في قاراتها الخمس ؟ بحروف كبيرة أو حروف صغيرة ، بالصراخ أو بالهمس ؟ تستطيع أن تعبر عن حالة عليثة ، بعد ما حصل له ، وخاصة بالأمس ؟! ـ : ... ؟! كانت الدنيا مازالت في مخاض ولادة ضوء النهار ، وكانت بقايا العاصفة مازالت تحرك بلطف أغصان الأشجار ، وكانت بعض الطيور قد بدأت توقوق وتغادر أعشاشها ، وكان الغبار مازال ممسكا بتلابيب الهواء ! وكان الصيادون قد بدأوا في التجمع حول قواربهم وهم يصبّحون على بعضهم ويتسامرون ! لكن همهمات الصيادين توقفت وإتجهت أبصارهم إلى شخص ! كان الشخص الذين رأوّه يسير بثبات نحو مركب النوخذة .. دفع الشخص المركب نحو البحر .. ركب الشخص المركب .. أخذ الشخص يجدف نحو عرض البحر ! ـ إلى يومنا هذا يقول الصيادون أنهم يتحاشوّن الإقتراب من هذه الجزيرة ليلا ، بسبب أنهم يسمعون أصواتا وصرخات نسائية تصدر منها ! .. ( أحلاما سعيدة وتصبحون على خير ، مصـطفى سـكر ، جدة ، يناير 2007 )
.jpg)
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق