الأحد، 3 فبراير 2008

The story of Ulaitha the teller




الإشراف : حسن بلاسم سمير المبارك عدنان المبارك
كتاب عراقيون وعرب - مصطفى سكر

حكاية عليثة الصراف

يرويها لكم : مصـطفى ســكر

سأروي لكم عن كائن يعرفه الظلام يسير في المنام أحيانا ، ولا يفيق أصغوا إليّ .. قد يكون أى أمرئ يسير في الطريق في وسط الزحام وقد يكون بيننا الآن ، أو يكون في الغرفة المجاورة ، يمط حلمه العتيق ! إن له وجها كوجه الناس أجمعين لكن إذا رأيته يلهث في العتمة تجده كالذئب الذي أيقظت الظلمة أسراره ، فهو مخيف خشن حزين ماضيه لا يعرف إلا أنه بعيد بداية غامضة من حلم مديد ليس له مدى .. حاضره لاصوت ولا صدى فهو هنا شبح وكائن وحيد لا يعرف الفرح ، فهو نداء ميت أبح في مجهل بعـيد .. ( من قصيدة حكاية السائر ، للشاعر العراقي محمود البريكان الذي أغتيل في 2002) *** بعد أن إنتهت مراسم الحداد على زوجة (عليثة) أصبح وحيدا في منزله الكبير ، فهاهى زوجته الثانية قد رحلت عن دنياه ورجع ثانية وحيدا ومقطوعا ! عليثة لم ينجب من زوجته الأولى ولم ينجب أيضا من زوجته الثانية ، فهو يعلم أن حظه في هذه الدنيا منكود ! فرغم أنه يعمل صرافا في بنك معروف ومشهود ، ورغم أنه يقضي نهاره كله في قبض وصرف النقود ، إلا أنه لا يملك من حطام هذه الدنيا غير راتبه المحدود ، وسيارة قديمة مستهلكة تبلع الزيت والوقود ! عليثة لا لون له ولا طعم ولا رائحة ، تماما مثل الماء ، في حركاته بطيئ هادئ ينساب بين قنوات مجتمعه بلا ضجيج أو خرير ، ولو لم ترى سريانه لقلت أنه غير موجود ! عليثة مخلص جدا في عمله ، يعمل مثل آلة صماء ، تدور أصابعة بسرعة وبدقة كآلة عد النقود الورقية ، التي تقبع أمامه خلف نافذة المصرف الزجاجية ، وفي موعد الإنصراف ينساب في قناة أخرى تؤدي إلى بيته ، ولا يغادر البيت إلا للضرورة لشراء مقتضيات معيشته ، ثم يعود ، يعود إلى بيته الحجريّ الذي ورثه عن أبويه ! البيت قديم وأثريّ مبني بالأحجار وتقف على نوافذة مشربيات من الخشب المضفر ، تحجب ضوء وحرارة الشمس وتستر حريم الديار عن العيون البصاصة ! يقع البيت وسط مجموعة مباني متشابهة عتيقة بنيت منذ سنين طويلة في بقعة تطل مباشرة على البحر ، أغلب من بني هذه البيوت كانوا من صيادي الأسماك ، التي تنتظرهم قواربهم أمام أعينهم على رمال البحر ، لتأخذهم بعيدا في إمتداد آخر مجهول ! يتجمع الصيادون بعد الفجر وهم يتوشحون ثيابا بالية تفوح منها رائحة زفارة الأسماك ، ويتلثمون بشماغات باهتة فوق أنوفهم ورؤوسهم ، يلمون شباكهم المنشرة على أعواد الشاطئ ، ثم يضعونها في قواربهم قبل أن يدفعونها إلى الماء ، بعدها يجدفون قواربهم في إتجاه اليم ، حين تظل رقابهم مشرئبة نحو شاطئ الأحباب ، الذي يظل يبتعد ويبتعد مع كل ضربة مجدف ، وهم يتجهون إلى عرض البحر ليختفوا في فضاءاته أياما ! أبوعليثة خرج يوما للصيد كعادته وفي يده بؤجة(صرة) الطعام ، لكن غيابه طال سنوات وسنوات ، عاد بعضهم بقاربه الذي كان يترنح فارغا وسط البحر ، وجرفوه إلى الشاطئ ، فظل القارب شاهدا على من ذهب ولم يعد من بعيد ! إنتشرت شائعات بين أقرانه .. أقوال وأقوال ، منهم من قال أنه سقط من القارب وغرق ، ومنهم من قال أنه تعلق بسفينة تجارية مرت بجواره ورحل إلى بلاد أخرى ، ومنهم من قال أن جنية من جنيات بحر الظلمات رغبته لنفسها فإختطفته وذهبت به ! غاب أباه إذا عنهم .. وتلى ذلك وفاة أمه بعد عدة سنوات حزنا عليه ، فلم تكن المسكينة تتوقف عن ذكر محاسنه ومآثرة لحظة ، ولم تجف عيناها من ذرف الدموع عليه ! أما ما وراء هذه البيوت الأثرية على مدى زمني قد يصل إلى عشرين دقيقة سيرا ، فهى منطقة أخرى أنشأها التجار ، المنطقة تضم مجموعة كبيرة من المخازن والمحلات والأسواق ، أصبحت بعد سنوات قليلة الوسط التجاري لهذه القرية ، تلاها على البعد قيام مجمعات سكنية وبيوت ودارات ومدارس وعيادات وغيرها ، كإمتداد طبيعي للعمران الذي أخذ يتوسع أفقيا على بحر آخر شاسع ، لكنه هذه المرة بحر من رمال الصحراء الواسعة ! زيجة عليثة الأولى جاءت من إحدى قريباته ، قرابة بعيدة جدا لم يكن يعرفها ولم تخطر له يوما على بال ، فقد دقت بابه ذات مساء إمرأة عجوز ، حين فتح لها الباب متوجسا كعادته فوجئ بها ، عجوز حيزبون تلبس عباءة سوداء إلى مافوق رأسها ، وتضع برقعا يكشف وجهها إلى ماتحت أنفها ، بادرته العجوز قائلة بصوت مرتعش : " مساك الله بالخير ياعليثة ، أنا عمتك أم حنيش ، ألا تذكرني ؟ ". أجابها وهو لم يفيق بعد من صدمة رؤيتها : " لا والله ياعمة ، ماني فاكر شيئ ! ". قالت العجوز برجاء : " ياولدي أنا قريبتكم وكنت أجيئ دائما عند أمك الله يرحمها ، لكنك كنت صغيرا بعد ! ". أجاب وهو لا يذكر شيئا عن ذلك : " جايز ياعمة لكني لا أذكر ، المهم ، هلا بكي ومرحبا ، أتبغين شيئ ؟ ". قالت وهى تنظر من جانبه إلى داخل البيت المظلم : " ألا تدعوني ياولدي إلى الدخول لتسمع ما جئت لك به ؟ ". إستحى عليثة من نفسه لطلبها وخجل من غياب كياستة مع إمرأة عجوز تقف على بابه ، فتنحى عن فتحة الباب بسرعة وهو يقول لها : " آسف ياعمتي ، تفضلي بالدخول أهلا بكي ! ". حين دخلت المرأة وقبل أن يغلق الباب الخشبيّ العتيق الذي يصر على مفاصله ، لم ينس أن يطلق نظرات وجلة على الطريق يمنة ويسرة ! جلست أم حنيش على الأرض فوق حشايا المجلس العربيّ ، الذي لا تضيئة غير لمبة يأتي نورها طشاشا من السقف ، جلس أمامها ليقرب لها طاسة التمر ويصب لها فنجان من قهوة (الهيل) التي كان قد صنعها لنفسه منذ فترة ! بعد أن رشفت المرأة فنجانها هزته بيدها علامة الإكتفاء ، ثم تركت الفنجان وجذبت برقعها إلى ما أسفل ذقنها وتبسمت ، كأنها تريد منه أن يتأمل أحافير الزمن التي نحتت وجهها ، وكذلك التجويف الفارغ لفمّها المبتسم والذي لا يردمه إلا سنة يتيمة متآكلة ترقص تحت بسمتها المتلألئة ! وحين تأكدت أنه ملأ بصره من شكلها ، ورأت الإطمئنان باديا عليه ، قالت : " أعذرني ياولدي على غيابي الطويل عنكم ، فقد بعدت الشقة بيني بينكم قبل وفاة العزيزة أمك ، لكني الآن حضرت ، حضرت حين آن الأوان ..كما رغبت هى ووصتني ! ". صاح عليثة مندهشا : " أمي وصتك ؟! ". قالت العجوز بتأكيد : " نعم وصتني ، فقد كانت أمك ـ ألف رحمةعليها ـ تؤكد علىّ بعد كل (حلقة) ، ألا أنسي زواج الولد حين يبلغ الخامسة والعشرين ! ". نسى عليثة موضوع الزواج لأن ماعلق بأذنه غير ذلك ، فسارع بسؤالها : " تقصدين حلقة السمك (البنجلة) ياعمة ؟! ". قالت المرأة بدهاء : " لا ياولدي .. ليست حلقة السمك ، بل حلقة تجمعنا في الليل ، ألا تذكرها ؟ طبعا تذكر لأننا رأيناك مرات عدة وأنت تراقبنا ، أليس كذلك ياعليثة ؟ ". سرح عليثة بأفكاره بعيدا إلى الماضي البعيد ليتذكر ، تذكر جيدا ما كان يحدث بعد أنصاف بعض الليالي ! ففي سن الخامسة كان ينام دائما قريبا من أمه خاصة إذا كان والده غائبا بالبحر ، وفي ليلة صحى فوجدها تلبس عباءتها ثم تضع برقعها أسفل أنفها ، ثم بهدوء شديد تستل خارجة بحذر مخافة أن توقظه ، لكنه كان يقظانا فقام وراءها يتسحب وتبعها ليس تجسسا ، لكن حبا طفوليا للإستطلاع ، ظلت سائرة على الدرب الترابي الذي يؤدي إلى المقابر ، وظل خلفها يتبعها لكن بشقاوة عيالية ، كان بين فترة وأخرى يرقد على الأرض ساكنا حتى إذا نظرت خلفها لا تراه ، حين وصلت إلى رأس المقابر كان هناك نسوة أخريات قد سبقنها ، وإتخذن لهن مقعدا على هيئة دائرة ، آاااه ، هذه إذا هى الحلقة ، التي تقصدها العجوز ؟! لم يدري عليثة وقتها لماذا تتجمع هاته النسوة هناك ؟ وماذا يقولون .. أو ماذا يفعلون .. ولماذا يلقفون لبعضهن البعض ، ببعض حصوات تقرقع ببعضها ؟! صحيح أنه فعل هذا مرتين أو ثلاثة لكنه توقف بعد ذلك ، خوفة من عقابها إن إكتشفت أمره ، وكذلك هربا من لسعات البرد التي كانت تؤذي بدنه ، وبمرور الأيام أهمل الأمر ونسى الموضوع ولم يسأل أو يفكر فيه ثانية ! بعد أن تركت له العجوز فرصة للتذكر أكملت قائلة : " ياعليثة ياإبني ، بعد غيبة أبيك بالبحر ووفاة والدتك أصبحت وحيدا ، والوحدة ياإبني ماهي زين ، وأنا الآن جئت إليك بوصية أمك التي كانت قد عزمت عليها ، وهى تزويجك من إبنة عمك اليتيمة التي تتربى في ملجأ الأيتام بالبلدة المجاورة ! ". إندهش عليثة فسأل بإهتمام : " إبنة عم لي ؟! .. أى عم ؟! .. لست أعرف أن لي عم أو خال ؟! ". أشارت العجوز بكف يدها في وجهه وهى تقول : " لا يا إبني أنت مخطئ ، أعمامك كثر لكنهم منتشرين في أماكن بعيدة ودول خليجية عديدة ، وأحدهم عمك (عبدول) الذي توفى في حادث سيارة كان يقودها وتوفت معه زوجته ، ولكن بنتهما الطفلة نجت وسلمت إلى الملجأ لتربيتها ، و (يمنى) الآن كبرت وأصبحت عروس ، وهى تعمل مدرسة بمدرسة الأيتام ، تزوجها ياولدي لتؤنس وحدتك ولتساعدك على مصارف الأيام ، هيا ياولدي للخير هيا ، أقبل على الخير ولا تتقاعس ! ". كان عليثة وهو يسمع كلامها مبهورا بما يسمع ، لكن نظراته التي سقطت فجأة على قدميّ المرأة كادت أن تفقع ، إذ هيأ له شيطانه أن ما يظهر من رجليّ المرأة يغطيه شعر أسود كثيف ، وأن قدميها بحافرين مشقوقين .. فكاد أن يقهقه ، لولا أنه تمالك نفسه وإستعاذ بالله من الوسواس الخناس ، حين كانت تختم كلماتها قائلة : " ألم تلاحظ أبدا ياولدي الرجل القصير، الذي يقف قريبا من بنككم والذي يصيح على الناس بنداء : ( ياباغيّ الخير أقبل ! ) ؟ ". قال عليثة بسرعة : " بلى أراه ، الرجل القصير ذو الجلباب القصير والسروال الطويل واللحية البيضاء الطويلة والذي يلوح بقبضة من الأوراق في يده ! ". قالت راضية : " إذا طاوعنا ياعليثة وأقبل على الخير .. خذ هذه الورقة بها إسم البنت وعنوان الملجأ .. وخذ أيضا هذه الصرة ففيها شبكة العروس الذهبية ، تركتها أمك معي لأعطيها لك في وقتها المناسب ! ". قال عليثة بإستسلام وهو يتناول منها الأشياء : " مشكورة ياعمه على أمانتك ، وإن شاء الله مايصير إلا الخير ". نهضت المرأة وهى تهمهم متوجعة ومتجهة إلى باب الخروج : " ياكريم ديم علينا الصحة ديم ! " ، كان عليثة يمشي وراءها على مهل حتى يفتح لها الباب ، توقفت المرأة فجأة وإستدارت وأخذت تشمشم بأنفها ثم سألته : " أنسيت عشاءك على النار ياولدي ؟ ". قال عليثة محتارا : " لا لم أترك شيئا على النار ، فإني لم أجهزعشائي بعد ! ". غمغمت المرأة وهى تهز رأسها وتخرج : " جائز ستعشيك ! ". لم يفهم عليثة شيئا مما غمغمت به العجوز ، لكنه بعد أن أغلق الباب إشتم فعلا رائحة طعام يطهو فتعجب ، وتساءل : " لابد أن هذه الرائحة الطيبة صادرة من مطبخ الجيران وحركها الهواء ناحية بيته ؟! " . مصمص شفتيه وهو يقول متلمظا : " يابختهم ياهناهم ! ". ثم تحرك ليصعد إلى غرفة نومه ، لكن رائحة الطبيخ عبأت خياشيمه عند مروره قرب المطبخ ، فعرج داخله ليتأكد من أن نافذة المطبخ مغلقة ، لكن النافذة كانت مغلقة حقا و بدلا من ذلك ، رأى على النار المتقدة قدرا (طنجرة) يتسرب البخار من تحت غطائه ، أسرع عليثة إلى القدر فكشفه فتصاعد منه البخار المشبع برائحة الإدام والبهار ، فقد كان القدر يحتوي على طبخة كبسة لحم معتبرة .. ناضجة طازجة لأكلها راغبة ! من طيبة قلب عليثة وسلامة طويته ، ومن قرصات الجوع الكافرة التي كانت تمغص معدته ، أفرغ لنفسه كمية كبيرة من كبسة اللحم اللذيذة التي إفتقدها منذ سنين ، وتعشى بها ثم رجع إلى المجلس وتناول فنجانين من القهوة ، ثم فك الوريقة ليقرأها : " (يمنى) الله .. إسم حلو ولطيف ، اللهم إجعلها من نصيبي ! " ـ هذا ما قاله عليثة لنفسه وهو يتأمل المكتوب بالورقة . ثم تناول الصرة وفك رباطها بحذر ، ثم قلبها لتسقط في يده شبكة العروس ، كانت الشبكة التي تركتها أمه مع العمة أم حنيش عبارة عن سلسال سميك من الذهب ، معلق به قلادة مستطيلة بها نقوشا عجيبة ، لم يستطع عليثة فهم رموز ورسوم القلادة لكنه إستطاع أن يميز بصعوبة كلمات باهتة ، فقد كان في وجه منها كلمتين الأولى يمنى والثانية بحرف الخاء (خ) لكن بقيتها مطموسة ، والوجه الآخر به كلمة يسرى يتبعها حرف الشين (ش) وبقيتها أيضا مشخوطة ! تعجب عليثة على حرفة حافر رموز هذه القلادة ، وتعجب أكثر من تحديده للوجه الأيمن والوجه الأيسر ، ولم يجد في رأسه تفسيرا يقنعه ، غير أن الحافر أراد بفذلكة غير مطلوبة ، أن ينبه من تقتني وتلبس هذه القلادة ، إلى أن لها وجهين وجها أيمنا ووجها أيسرا ! أسرع عليثة بالزواج من بنت عمه الذي لا يعرفه ولا يعرفها ، وكانت سرعته في إنجاز الزواج محصلة لحديث دار بينه وبين مدير البنك ، إذ إستدعاه المدير يوما ومازحه قائلا : " أصحيح ياعليثة أنك مخاوي ؟! ". لم يفهم عليثة معنى السؤال فأجاب بدهش : " مخاوي ، مخاوي من ؟! ". قال المدير وهو يضحك : " زملائك الملاعين يقولون أنك تعيش في بيت كبير لحالك ، وأنك لا تريد الزواج لأنك مخاوي ، يعني لك رفيقة من العالم الآخر ؟ ". قال عليثة بغضب ولكن بأدب : " لالا ليس صحيحا ما يقولونه ". المدير معقبا : " ويقولون عنك أنك غريب في تصرفاتك وتتجنب الكلام معهم ، يعني منعزل وغير مختلط ! ". قال عليثة ببساطة : " هذا صحيح ، فأنا إنسان بسيط وفي حالي ولا أحب هرج الشباب ومرجهم ، وللعلم أناعلى وشك الزواج من إحدى قريباتي ". المدير مندهشا : " كدة ، ألف مبروك ياعليثة ! ". وهكذا أسرع عليثة بالزواج من يمنى حتى يقطع ألسنة الملاعين ، ومن يشيعون عليه أقوالا بلا براهين ، وعاش معها في هدوء تام ، فقد كانت البنت ـ والشهادة لله ـ من النوع الهادي الصامت ، كلامها قليل وحركتها قليلة ومحدودة ، فلم يحدث بينهما أى إحتكاك أو حراك كما يحدث بين كل زوجين حديثي الزواج ! يمنى مطالبها نادرة أو ليس لها مطالب على الإطلاق ، وهو الآخر مطالبه محدودة أو ليس له مطالب ، ومن بساطة هذه العيشة صار كل منهما مشغولا بنفسه ، أى متزوجا وغير متزوج في آن واحد ، كانت تجمعهما أحيانا لحظات من المتعة الحميمية التي تتم بين الأزواج ، لكنها كانت لحظات قليلة وسريعة تشتعل وتنطفئ في دقائق ، مثل شط عودا من الثقاب بيد مرتعشة في جو عاصف ! مرت عدة سنوات على عليثة ويمنى دون أن ينجبا ، فلعب الفأر في عبهما ، وبعد هذه السنوات الثماني عرضا نفسيهما على الأطباء بالمركز الطبي الواقع في قاع البلدة ، قال الأطباء لهما بعد الفحص والتحليل ، كل منكما يحمل خللا لابد من علاجه إذا أردتم الإنجاب ، فالزوجة كانت قد أجرت عملية جراحية في صغرها لإستئصال الزائدة الدودية التي كانت قد إلتهبت ، وقد أثر الإلتهاب على مبيضها الأيمن وعطل عمله ، وأصبح التبويض لا يتم إلا عن طريق المبيض الأيسر ، الذي لا يثمر إلا بويضات هزيلة تقل عن الحجم الطبيعي ، ونصحوها بتعاطي (كورس) من الهرمونات تجعل هذه البويضات الضئيلة تسمن وتنتفخ وتصير جاهزة للتخصيب ! وعليثة هو الآخر أصيب في سنوات صغره بآلام مبرحة في مفصل فخذه الأيسر سبب له عرجا في المشى ، وقد قام أطباء العظام بإحتواء عظمة فخذه داخل المفصل حتى يحافظوا على كروية عظمة الفخذ ، وفي سبيل ذلك ركبوا له بعض الدعامات المعدنية ليظل المفصل في وضعه الطبيعي ، وقد تعرض عليثة قبل وبعد العملية إلى كم كبير من الأشعات ، منها أشعات إكس العادية وأشعات أخرى بالمسح الضوئي المشع ، وقد عاد عليثة إلى مشيته الطبيعية في سن السابعة ، لكن جسده كان قد إختزن من هذه الأشعات آثارا ، أظهرت عليه بعد ذلك ظواهرا لم تكن لديه ، أو كانت مستكنة عنده لكن حفزتها الأشعة فنشطت وظهرت عليه ، وجعلته يقترب أو يحس بالظواهر االخارجية الغير محسوسة ، التي يطلق عليها العلماء الظواهر الميتافيزيقية ، لكن الأطباء لم يكتشفوا هذا بالطبع ، لأنهم وصفوا له علاجه بسيطا ، عبارة عن كورسا من الفيتامينات المركبة وجرعات من أقراص حامض الفوليك ، لتنشط حيواناته المنوية الضعيفة ! وبعد عدة شهور من العلاج حملت الزوجة ، لكن تصرفاتها إزدادت غرابة بعد الحمل ، فقد أصبحت تقوم ليلا من نومها وتنزل لتجلس في المجلس وحيدة ، كان عليثة في بعض الليالي يأرق أو توقظه أصوات تشبه الشجار ، صياح بين أصوات متباينة فيصحو فلا يجدها بجواره ، فكان يلقي بالغطاء من فوقه ويسرع بالبحث عنها ، كانت أنات الدرج الخشبيّ تسبق خطواته وهو يهرول هابطا في إتجاه المجلس ، فتنقطع الأصوات ويهدأ البيت ، حين يصل يضيئ نور المجلس بالضغط على مقبسه القريب من الباب ، فيفوجئ بها مكومة على الأرض وهيئتها مزرية ، كانت الأسئلة الجزعة تتدفق من فمه وعلامات التعجب تتتابع خارجة من نظراته ، لكن الأسئلة وعلامات التعجب لم تكن تلقى إجابة ، يرفعها بيده في حنان .. يحتضنها ويمسد ظهرها .. يمسح دموعها .. يقبل رأسها ثم برفق يسحبها نحو الدرج ليصعد بها إلى مخدعهما ! في بعض المرات ينزل في الليل للبحث عنها بعد أن يوقظه الصياح ، لم يكن يجدها ، يظل يبحث عنها وهو يدور في أرجاء البيت كالمجنون ، ثم فجأة يسمع أنات بكاءها صادرة من المجلس الذي كان قد طرقه أكثر من مرة ، فيتجه إليه ويشعل نوره ويجذبها من الأرض إلى صدره ، يعاود الأسئلة لا إجابة ، يتعجب فلا يلقى إفادة ، فيأخذها ويصعد وهو يضرب بينه وبين نفسه ، أخماسا حائرة في أسداسا ماكرة ، لا تعطي إجابة مثمرة ! عرض عليثة زوجته على أطباء المستوصف لعلهم يكتشفوا ما غميّ عليه ، فقالوا أن البنت سليمة وأن حملها طبيعي ، وأن ما يعتريها ماهو إلا دلائل (الوحم) الذي تكابد منه حوامل النساء ، ورغم أن البنت كتومة لأنها من النوع الذي لا يخرج ما في صدره ، إلا أنه حين كان يطالع في عينيها ، كان يجد فيهما صرخات مكبوتة تستنجد به ، لكن لسوء حظه أو لسوء حظها ، لم يكن يقدرعلى فك شفرات العيون ! صرحت له يوما على إستحياء إشتهائها لتناول قطعة من الفطر (عيش الغراب أو المشروم) ، كانت هذه أول مرة يسمع فيها عن هذا الشيئ ، ولما إستفسرها قالت أنها نبتة برية ضئيلة الحجم لها جذع صغير ورأس كالمظلة ، فبحث عنها في أسواق الخضر فلم يعثر ، لكنهم دلّوه على منطقة ينبت بها بعض هطول الأمطار ، وكان من الصدف أنها أمطرت لمدة ثلاث أيام في الشهر الفائت ، فأخذها معه يوم جمعة متوجهين صوب هذه البقعة التي تبعد عن القرية بنحو مئة كيلومترا ، ورغم أن السيارة توقفت لعطب في إطارها عالجه بتغيير الإطار ، إلا أنهما وصلا قبل الظهر بقليل ، أخذا يتجولان في هذا البر الفسيح إلى أن عثرا على بعض الشجيرات الصغيرة ، شاهرة أعناقها وسط الأرض المعشوشبة ، فكانت من فرحتها تهبط إلى الأرض وتقطف الشجيرة وتنفض عنها الغبار ثم تأكلها بتلذذ ، وكان هو يراقبها بتعجب في إستغراب وتقذذ ، ولما إنتهت قالت له في سعادة وإنشراح : " كفى شبعت ، خذني الآن إلى البيت ! ". أثناء رجوعه بالسيارة كان يلاحظ أنها مململة ، تتلوى في صمت ويدها فوق بطنها ، لكن وجهها كان مشاحا صوب زجاج السيارة البعيد فلم يستطع رؤية إنفعالاتها ، ومع هذا سألها : " ما بكي يايمنى ؟ ". قالت تطمئنه : " مابي شيئ ، مغص بسيط وسيزول ! ". لكن بعد أن قطع نصف المسافة إشتد عليها المغص ، فزاد تقلصها وتشنجها وهذيانها ، سألها هذه المرة بجزع وهو يضغط بكل قوته على دواسة البنزين ليسرع السيارة : " بماذا تشعرين يابنت الحلال ، أخبريني الله يهديكي ؟ ". لم ترد عليه ، لكن آهاتها وأنينها وحركاتها العنيفة كانت أبلغ من الكلام ! ولسوء الحظ أيضا تعطلت السيارة مرة أخرى وتوقفت عن المسير ، نزل يطالع في المحرك المتوقف فلم يجد به شيئا ، وكانت بين حين وآخر تمر به بعض السيارات المسرعة ، فيشير إليها وهو يصرخ مستنجدا ، لكن إشاراته وصرخاته لم تجد عند الناس صدى ، حاول مرات ومرات أن يشغل السيارة وهو يدعو ربه ، فهو وحده العالم بالطارئ الذي ألم بهما ، وأخيرا وبعد مرور ساعات مريرة دارت السيارة ، فإنطلق بها وهو يزفر زفرا ! حين ولج عليثة بسيارته البلدة إتجه مباشرة إلى أحد المستوصفات ، ترك السيارة دائرة وجرى نحو بابه يستنجد بالموجودين ، حضر من الداخل على عجل بعضا من الرجال تبعهما ممرضتين أجنبيتين بلباس أبيض ، إمتدت الأيادي إلى الباب وفتحته ، ثم جذبا البنت من مقعدها ، حملها رجلان ، أحدهما كان يمسك برجليها والآخر كان يرفعها من تحت إبطيها ، وكانت الممرضتان ينحنيان عليها ويرطنا بلغتهما كلاما غير مفهوم ! كان عليثة ينظر إليهم نظرة المغشي عليه من الموت ، حين بدأوا يتحركون بها نحوالداخل رآها ، كانت أشبه بسمكة ميتة ألقتها أمواج البحر إلى الشط ، سمكة بلا روح ، سمكة رخوة بعينان جاحظتان ، وفم يسيل منه زبدا أبيضا ! أصبح عليثة بعد رحيل زوجته فارغ الفؤاد حزينا ومهجوسا ، وعاد ثانية إلى خلائه ، وصار كما قال (إيليا أبو ماضي) : " يسيرفي الروض الأغن فلا ترى عيناه غير الشوك في أرجائه ويحار .. بين مجيئه وذهـابه ويحار .. بين أمامه وورائه إن نام لم ترقد هواجس روحه وإذا إستفاق رأيته كالـتائه ! ". قضى عليثة شهورا مفزعة في وحدته غير مصدقا أو مستوعبا ماحدث ، كانت تؤرقه أوهاما كثيرة حين يكون في وحدته بالبيت ، هذا الأرق سبب له إستنفارا لحواسه فجعله ينام على سريره كالوتر المشدود ، كان يهب منتفضا حين يسمع نحيب بكائها يتدفق في أذنيه ، فيهرول مسرعا على الدرج وهو يصيح : " يمنى ، يمنى ، أين أنتي ؟! ". لكنه حين يدلف إلى المجلس كان يجده خاويا ! وإستمر على هذا الحال شهورا إلى أن دقت بابه ذات مساء ودخلت مسرعة دون أن تستئذنه ، ثم قالت قبل أن تجلس : " أراك ياولدي قد حملت هموم الدنيا كلها فوق رأسك ، وتريد أن تقضي دونما سبب جوهري ، أمن أجل عابرة سبيل جاءت ورحلت وكلنا على ذي الحال ، تفعل في نفسك هكذا وتبتئس على ماليس لك به علم ؟ ". أجابها بإنكسار وهو منكس الرأس : " الفرقة صعبة علىّ ياعمتي وخاصة أنها كانت تحمل جنيني ! ". قالت بلا مبالاة وهى تجلس : " حلها بسيط ، فأنت مازلت شابا وتملك القدرة ، فداوها بذات الداء ! ". قال : " بذات الداء كيف ياعمة ؟ ". قالت بسرعة وبحسم : " أعني لا تضيع عمرك على مافات ، فلا أنت أول ولا آخر من ترمل ، تزوج ياعليثة ثانية ولا تبكي على اللبن المهراق ! ". عليثة بعجب : " أتزوج ثانية ؟! ". قالت مؤكدة : " نعم ثانية ، بل ثالثة ورابعة ، ألا يبيح شرعكم هذا ؟ ". سألها بعجز واضح : " وأنىّ لي أن أفعل وقد .. ". قالت مقاطعة : " محلولة ياولدي ، العروس موجودة ، بنت تشبه الخالق الناطق يمنى في الجمال والطول والعرض ، أرملة تركها زوجها وهى في عز شبابها ، ومثلك ياعليثة مقطوعة ووحدانية وليس لها من يرعاها ، وفوق ذلك البنت ملاحظتك ومراقبتك وتعلم كل شيئ عنك ـ متلمظة وهى ترفع حاجبها ـ وهى تريدك ياحبيبي وتتمنى الإرتباط بك ! ". في دهش : " تعرفني وتريدني وتتمنى الإرتباط بي ؟ ". أم حنيش مبتسمة : " نعم فهى تسكن وحدها في آخر حارتكم يعني جارتكم ، وكانت تضع عينها عليك منذ سنوات ! ". عليثة مستنجدا بمشورتها : " أترين هذا حلا لمشكلتي ياعمة ؟ ". قالت : " بكل تأكيد ، فالبنت تريد الستر ليس إلا ، لا تطلب مهرا ولا شبكة ، وإن كنت أرى أنا أن هذا غير مناسبا ، أعطها هدية أمك ياعليثة قبل أن تعقد عليها والسلام ". ثم نهضت واقفة وهى تقول دعني أرتب لك الموضوع ، هه أقعد بالعافية ". أراد أن يقوم وراءها لكنها أوقفته قائلة : " خليك محلك ياعليثة أنا أعرف طريقي ". وفعلا لم ينهض عليثة من جلسته إلا بعد سماعه خبطة باب البيت ، إتجه إلى المطبخ وهو غارق في أفكاره التي ترتبت على زيارة العجوز ، ومن نظرة عابرة إلى باب الخروج تجمد في مكانه وهو يتعجب مما رأى ، فسأل نفسه : " كيف خرجت أم حنيش من باب البيت والسكاك (الترباس) مازال في مكانه كما دسه بعد دخولها ؟! ". تزوج عليثة من جارته الأرملة الشابة التي كانت تضع عينها عليه ، فتاة شابة تشبه ملامحها إلى حد كبير زوجته الأولى ، لكن هذه أكثر عنفوانا من سابقتها ، هذه حركية لا تهجع ، عصبية لا تخضع ، أكولة لا تشبع ، شبقة لا تقنع ! في شهورها الأولى كانت هادئة ومطيعة سحرته بدماثة خلقها ، وجعلته لا يندم على فراق زوجته الأولى ، فقضى شهورا هانئة و سعيدة إلى أن حملت منه حملا طبيعيا ، فإنقلب الحال ، أصبحت عصبية إلى حد العدوان ، ونهمة إلى حد الإدمان ، وبطئت حركتها وبدأت تتجنب رؤيته في أى مكان ! عزى عليثة هذا لظروف الحمل والتغيرات الهرمونية التي تحدث عند النساء ، فأخذ يتجنبها هو الآخر ويتحلى بضبط النفس ويتعلق بحبال الصبر ، من أجل وليده الذي ينمو في رحمها ! فمن طبيعة عليثة أنه يجنح إلى العيش ـ كما خلق الله ـ في هدوء وسلام ، يتجنب الإشتباك مع الغير في أى موضوع ، حتى لا يتطور النقاش إلى عراك ، لكن العالم المحيط به لا يرضى بهذا ، ولا يرغب في عزوفه ! ففي ثورة من ثورات غضب زوجته لسبب تافه ، قذفته بملعقة تقليب الطعام الكبيرة ، إنطلقت الملعقة صوبه ونصلها موجه إليه ، كالرمح المقذوف من وتر قوس مشدود لآخره ، كان من الصعب على عليثة أن يتجنبه ، لكنه لم يجزع ولم يميل ليتفاداه ، وفي لمح البصر تقلصت ملامحه وإتسعت عيناه وتوجهت نظرات غريبة منه نحو الرمح ، قبل وصوله إلى هدفه بعدة أشبار ، توقف الرمح ( الملعقة) في الهواء ! كانت (يسرا) تتابع الرمح المنطلق نحوه بلا مبلاة ، بل بشيئ من الفرح ، لأن الغضب أعماها عن نتيجة فعلها ، فلما رأت المعلقة معلقة في الهواء أمام وجهه ، عادت إلى رشدها وإنفغر فاها دهشا وإستغرابا ، بل وندت عنها صرخة ، وإزداد عجبها وإستغرابها ، حين رأت الملعقة تلتوي وتتلوى كأن قبضة قوية من عملاق رعديد قد قبضت عليها ، وأخذت تبعجها كما تنبعج كرة العجين في يد العجان ، صارت الملعقة ككرة ملعقة تدور حول نفسها في الفضاء ، ثم فجأة تركتها يد العملاق فسقطت على الأرض تتدحرج وتجري ! " لم يقولوا لي أنك ساحرمقتدر ؟! " ـ قالتها في عجب وهى تترك المكان على عجل . يتذكر عليثة في صغره أنه تعرض لحادث وأصيب بعرج في إحدى رجليه ، وإنهم عالجوه بزرع حدايد في فخذه ، وإنه حين عاد إلى منزله بدأت تظهر عنده قدرات لم يكن يشعر بها ! هذه القدرات مكنته من فعل بعض الأشياء التي كان يتلهى بها صغيرا ، والتي تعتبر غير مألوفة أو خرقا للطبيعة ، وهو ما يعرف علميا بالتركيز الذهني (تلكنيزي) ! فقد إستطاع في البدء أن يؤثر على بعض الأشياء البسيطة كأدوات المائدة ، وذلك بالشعاع الخفيّ الخارج من نظرات عينيه ، والصادر بأوامر مركزة من مخه ، فكانت تتحرك على المائدة في تشكيلات يرغبها ، أو ترتفع إلى الهواء وتحوم مثل الفراشات ، إلى أن تدرج وحرك قطعا كبيرة من الأثاث من أماكنها ، أو إيقاف حركة دوران مروحة السقف التي كانت قد علقت بالمجلس ! وقد إستغل عليثة هذه القدرات في صباه ، في خلق شغب محبب إلى نفسه أثناء دراسته ، كأن يجعل قلم زميله يتحرك إلى زميل آخر ، أو كتاب يتحرك من أمام المدرس إلى مكان بعيد ، لكن أمه نصحته بالتوقف عن هذا ، وإخفاء هذه القدرة وإلا إتهموه بأنه ذو عين حارة (حاسد) فيصبح مكروها ومنبوذا من الناس ! ليس هذا فقط ، فحين بلغ مبلغ الرجال توسعت مقدرته وأصبح يتواصل أو يتلقى مشاغبات أخرى صادرة من عوالم مجهولة ، يسمع أصواتا أو ضحكات دون أن يكون هناك أحد ، أو صرير فتح أبواب أو غلقها ، أو قرقعات الأواني في المطبخ ، أو وقع أقدام ، أو حتى ثقل أجسام تهبط بجواره على السرير بأنفاس مسموعة ، لكن حين يفتح عينه لا يجد إلا الخواء ، وقد عود عليثة نفسه أو إعتادها بتكرارها ، ولم يعد يأبه أو يتأثر بها ! دخلت علاقة عليثة بزوجته مرحلة جديدة بعد حادث الملعقة ، إذ أصبحت تتحاشى لقاءه ، فإن صدف وتلاقا صدفة أسرعت بالإختفاء وإندست في أى ركن ! أخذ عليثة يتعجب من هذه الحياة التي أرغم عليها ، أو وجد نفسه محشورا فيها ، كحمامة وديعة حشرت في قفص مليئ بالغربان ! كان يتعجب من صنف النساء التي أوقعته قسمته ونصيبه فيهن ، ومع هذا قرر التحمل والإستمرار في هكذا حياة حتى لا ينحرم من جنينه القادم ، بل أقنع نفسه أن هذه المرأة حين تلد وترى في حضنها جنينها ، سوف تتغير ويختفي جنونها ! لهذا تركها لحالها في عزلتها ، ولم يحاول التطفل عليها ، لا يتطلب منها عذرا ولا يأكل من طهوها حذرا ، ولا حتى يرجوها الكف عن حرق بخورها القاسي الذي كان يؤذي شمه ويدمعه ، فقد كانت لا تكف عن غمر البيت بغلالة كثيفة من الدخان ، برائحة غريبة تشبه رائحة حريق إطارات السيارات ! ولم يطلب منها أيضا أن تبدل ملابسها الحزينة القاتمة ، أو عصابة رأسها البغيضة التي تشبة عصابة النوّر(الغجر) ، ولم يطلب منها أن توقف أو تخفض من عواء تمائم أدعيتها الرتيبة الرهيبة ، التي ليس لها معنا يفهمه ، والتي تضجرة بها كل ليلة وتجلب له التشاؤم والقنوط ! في مرة وحيدة قرر أن يطلب بعضا من هذه المطاليب ، كزوج أو شريك في البيت له حقوق لابد أن تراعى ، بعد أن كاد أن يختنق من رائحة البخور التي تصعد بطبيعتها كمادة غازية إلى أعلى ، فنزل إلي المجلس ليجابهها لكنه فوجئ أنها كانت مستعدة للحظة المجابهة ! كانت تجلس وسط المجلس وأمامها مبخرة البخور التي يتصاعد منها الدخان الأزرق ، وكان بجوارها يد الهاون النحاسية (إناء الطحن بالدق) ، فلما رأته أسرعت بالإمساك بها ووجهتها إلى بطنها وهى تصيح فيه مهددة : " لا تقترب مني ، إبتعد عني ، قسما لو فعلت لخبطت جنينك بيد الهاون وقتلته في الحال ! ". فكان أن تلاشى من أمامها خسفا ، وعاد لغرفته غضبان أسفا ! ورغم إبتعاده التام عنها ، إلا أن أذاها لم يبتعد عنه ، ذلك أنه كان يصحو في بعض الليالي على هسيس نفسها ليجدها تقف فوق رأسه ، وحين يفتح عينه الناعسة تسرع بإخفاء يدها خلف ظهرها ، وكأنها لا تريده أن يرى ما بها ، ثم تتحرك إلى الباب ببطئ دون أن تبدي عذرا ! وضبطها مرة وهى تمد كلتا يديها نحو عنقه ، لكنها حولت يديها إلى غطائه وسحبته فوقه ثم إنصرفت ! وأخرى حين إنخلعت إحدى درجات السلم الخشبي وسقط فوق الدرج دون إصابة ، ولما فحص الدرجة علم أنها عبثت عمدا ! ورغم أن للصبر حدود كما يقولون ، إلا أن صبر عليثة كان بلا حدود ، فكان يتجاوز عن كل شغب ، بلا كلل أو ملل أو تعب ، آملا أن الفرج قد إقترب ! لكن يبدو أن هذه الأحداث قد أثرت على عقله الباطن ـ كان هذا تحليله ـ لأن ذلك إنعكس على أحلامه ، فقد أقلقه أن يرى حلما يتكرر بطله الرجل القصير ذو الجلباب القصير واللحية البيضاء الطويلة ، الرجل الذي يدعو الناس للتبرع لمنظمة إسلامية ، ويقف قريبا من البنك الذي يعمل به ، هذا الشايب يصيح عليه ويشير إليه قائلا : " يا باغيّ الخير اقتل .. ياباغيّ الخير اقتل .. اقتل .. (بدلا من اقبل) ! ". فاجأت يسرا زوجها عليثة في شهر حملها الثامن بتغيرات جد أسعدته ، وجعلت صدره ينشرح إذ تحققت توقعاته التي كان متأملا بها ! فقد أقبلت عليه وغيرت من أسلوبها العدواني الجاف ، وأظهرت حسن ماكان مخفيا في شخصيتها ، أظهرت الكلام اللين والخلق الطيب والطاعة المحببة لدى كل الأزواج ، قابل عليثة إحسانها بإحسان ، وإقبالها بإقبال وطاعتها بطاعة تفوقها في الحسبان ! إلى أن جاء يوم ونسبت ضيق صدرها لحبستها بالبيت ، ورجته أن يأخذها للتمشية (الفسحة) إلى أى مكان مبهج ، قبل أن تنشغل بولادة وليدهما ، فوافقها على الفور ، وأخذ يعمل رأسه في مكان مبهج يأخذها فيه ليذهب عنها الضجر ! وكأنها كانت تقرأ أفكاره وعرفت حيرته فإقترحت عليه ، أن يأخذها إلى منطقة العلا وإلى برها الفسيح وإلى جبلها العالي المسمى ب (أم درج) ! تعجب عليثة لطلبها هذا فصاح : " العلا ، أم درج ، هذه أول مرة أسمع بهذه الأسماء ، وحتى إن كانت موجودة فعلا ، فأنا لا أعرف الطريق إليها ! ". قالت تطمئنه : " ماعليك ، أنا أعرف المكان وسأدلك على الطريق ، لأني زرتهما أكثر من مرة ! ". في اليوم الذي إتفقا عليه أخذا زادهما وزوادهما ، وإنطلقا صوب الشمال على الطريق المحاذي للبحر ، وكانت الرحلة طويلة تستغرق ساعات وساعات ، لكنهما كانا يتوقفا ليتناولا بعضا من المأكولات والأشربة التي جلباها معهما ، وإنتهى الطريق الساحليّ عند قرية بدر ، ودخلا في طريق آخر يؤدي إلى المدينة المنورة ، ثم صعدا شمالا إلى منطقة خيبر ، بعدها توجها إلى منطقة العلا ! حين وصلا رفع عليثة بصره عاليا وهو يقول : " ياله من جبل عالي ! ". أجابته بسرعة : " هيا لا تضيع الوقت ، دعنا نصعد على هذه الدرجات المنحوتة ! ". قال بخشية الحاذر : " إنه عال يايسرا وأخاف أن تنزلق قدمك أو يصيبك مكروه ؟ ". أجابت وهى ترتقي الدرجات بخفة : " لا تخش علىّ ، فليست هذه أول مرة أرتقيه ! ". فبدأ يتبعها عن قرب وهو لا يتوقف عن تحذيرها من كسرة درج أو نتوء صخرة ، بل يرجوها أحيانا التوقف لإلتقاط الأنفاس خشية عليها وعلى مافي بطنها ، لكن البنت كانت تصعد على الدرج ، بهمة عملاق وفرحة مشتاق قد عزه اللقاء والعناق ، إلى أن وصلا إلى القمة ! على قمة الجبل أخذ عليثة يتأمل التلال الأثرية ، التي تنتشر عليها أجزاء من تماثيل غريبة وأخرى لألواح عليها نقوشا عجيبة ، أغلب التماثيل مهشمة ، لكن بقى منها بعض الرؤوس أو الأبدان أو أجزاء من أقدام ، قال عليثة لنفسه وهو يتأمل مايراه " لابد إن هذه المنطقة كانت تخص أقواما وثنية فنيت ! " ، فعقبت عليه البنت التي كانت بعيدة عنه وكانت تتقافز من السعادة : " أصبت ياعليثة في تساؤلك ! ". في الوقت الذي تحرك عليثة صوب فجوتين كبيرتين منحوتتين ، يمثلان خزانين كبيرين لمياه الأمطار ! في الوقت الذي إبتعدت هى في الإتجاه المعاكس صوب التماثيل ، أخذ عليثة يستطلع الخزانين المحفورين من قمة الجبل إلى قاعه على هيئة قمع ، ويتعجب من مقدرة من حفروا هذه البؤر العجيبة حتى يخزنوا الماء داخلها ، ثم إتخذ لنفسه مقعدا على حافة أحدهما وأخذ يتلهى بالنظر إلى الماء المحبوس ، لأنه تهيأ له أنه رأى في الماء حركة لأجساما داكنة ، تشبه الأسماك تعوم تحت سطح الماء الراكد الداكن ! لكن تأملاته هذه أوقفتها أصوات عواء زوجته التي يعرفها حين تتلو تمائمها ، فقام متجها إليها لأنه رآها قد أشعلت البخور عند رأس الصنم الكبير ، وكانت تعوي وهى تهتز للأمام والخلف قائلة : " ياغيبة ياغيبة ، لك العظمة والهيبة ! " . إستشاط عليثة غضبا وجذبها من كتفها بقوة وهو يوبخها قائلا : " ماهذا يابنت ، أتشعلين البخور وتقدمين النذور لصنم أصم ، إنه والله تقليدا للوثنيين ، إنهضي وقومي وإستغفري لربك وإلا كفرتي ! ". تحولت نظرات البنت فجأة من الوداعة إلى الشيطنة ، وعادت إلى سحنتها القديمة ثانية ، السحنة التي تمتلئ بتقاسيم الغضب والبغض والعنف والفرعنة ، ضربت يده الممسكة بها بقوة وهى تنهض موجهة إليه كل قبيح من الشتائم ، ثم فوجئ بها ترطمه بقطعة حجر تشبه القدم على رأسه فتشجها ، فلما تحسس رأسه لطمها بيده التي تلوثت بدم رأسه المشجوجة ، هجمت عليه وعضت يده بأسنانها ثم إلتحما في عراك عنيف ، سقطا على أثره إلى الأرض القاسية التي يغطيها التراب والحصى ! ورغم شراستها في الضرب ورغم جروحه البليغة ، إلا أنه كان يحاول بما أوتى من قوة أن يصدها ويهدئها حتى لا تفقد جنينها ، لكنها تمادت وتمادى وأخذا يتقلبان على خشونة الأرض إلى أن وصلا إلى حافة أحد الخزانين ، ويبدو أنه فهم أنها كانت تريد جرفه إلى الحافة وقذفة في الخزان ، فإستمات في الدفاع عن نفسه والزحف بعيدا عن الفوهة ، لكن البنت كانت مصممة على فعلتها لأنها كانت تدفعه نحو الفوهة بعد كل ضربة حجر ، فما كان منه إلا أن دفعها بقوة بعيدا عنه ليتخلص من قبضتها وسطوتها ، فسقطت من فوقه وتدحرجت خلفه في دورات ، أدت إلى إنزلاقها من الحافة إلى عمق الخزان وهى تصرخ وتولول ! حين نظر إليها من أعلى أخذت تصرخ به وتستنجد وهى تغوص وتطفو على سطح الماء ! وكان الماء ...ا الماء الذي كان راكدا وداكنا ، قد صارهائجا ومائجا ، يدور ويلف بعنف حول نفسه كالدوامة ، يعلو ويهبط يلعق بألسنته العديدة جدران الخزان في غضب ! أخذ عليثة يصرخ عليها في هستيرية ويرجوها المقاومة ، ثم جرى بعيدا يبحث عن عمودا أو سلكا أو حبلا أو أى شيئ يقذفه إليها لينقذها ! عليثة إبن الصياد إبن الربان إبن النوخذة الذي كان يجوب البحار ، لا يعرف ـ للأسف الشديد ـ السباحة وكان ينفر من صغره من ولوج البحر ! حين عثر على قطعة من الخشب أسرع إلى الخزان وألقاها إليها وهو يصرخ : " تعلقي بالخشبة يايسرى وتماسكي أرجوكي حتى آتي بالنجدة ! ". حضرت معه شرطة قرية العلا بعد أن قص عليهم القصص ، وإنتشر الرجال على سطح الجبل يدققون ويتحققون ، وألقى فريق الدفاع المدنيّ بحبالهم إلى الخزان وأسرع غواصيهم بالنزول ! الموجودون على السطح لم يجدوا آية آثار تدل على حرق البخور ، والصاعدون من الخزان لم يعثروا إلا على خشبة طافية فوق سطح المياه الراكدة الداكنة ! حجزت الشرطة عليثة بالقسم عدة أسابيع على ذمة التحقيق بعد أخذ إفادته ، قاموا خلالها بتحريات عدة في جهات متفرقة ، كان أبرز ثلاث إفادات وردت إليهم ، هى ، من مدير البنك الذي يعمل به ، ومن المأذون الشرعي لقريته ، ومن ملجأ الأيتام الذي ذكره في إفادته ! إفادة المدير تقول " أنه موظف أمين ومخلص في عمله ، لكنه إنطوائي ومبهم ، وحياته تكتنفها الغموض ! ". وإفادة المأذون تقول : " لا أعلم عن إسم الشخص المذكور أى شيئ ، ولم يحدث في أى يوم من الأيام أن عقدت قرانه على أى أنثى ! ". وإفادة ملجأ الأيتام تقول : " لا نعلم أن يتيمة تربت عندنا كانت تسمى بإسم يمنى ، ولم يتزوج أحدا من هذه القرية بالذات بأى فتاة من ملجأنا ! ". وبناءا على هذه المعطيات بجانب أنه لم يعثر على جسم الجريمة (الجثة) ، فلقد قررت الشرطة الإفراج عنه بضمان وظيفته ، وقد أوقعوه على تعهدا بعدم الإقتراب مرة أخرى من هذا الجبل ، بعد أن شرح له رجل الحسبة ومندوب هيئة الأمر بالمعروف ، سبب تعهده قائلا : " إن زيارة هذه الأماكن الملعونة محظورة ، لأنها تحمل آثار عبادات وثنية كانت تقوم بها أقواما بائدة من اللحيانيين ، لإله لهم يسمى (ذو غيبة) ، وذلك قبل ظهور الإسلام بعهود طويلة ! ". أثناء عودة عليثة بسيارته كان الطريق مظلما وخطرا ، وذلك بسبب هبوب الرياح الموسمية المحملة بالرمال والغبار ، فقاد سيارته ببطئ حتى وصل ديرته متأخرا عدة ساعات ! وحين عاد إلى عمله صباح اليوم التالي ، قابله المدير بوجه عبوس وأسلوب غير مريح ، وبعد أن إستمع على مضض لقصته ، علق بصبر نافذ : " يبدو أن كل من يقترب منك يذهب بلا عودة ، ماعليه ، لقد قررت نقلك إلى خدمة العملاء ، وعينت مكانك صرافا جامعيا مؤهلا ، هو إبن عم فيصل زميلك ، المهم إذهب إلى عملك الآن وفي نهاية اليوم سلمني عهدتك ، ومن أول الأسبوع القادم إجلس بالخارج بجوار شودري الهندي ! ". حزينا ومشوشا توجه إلى مقعده خلف النافذة وبدأ العمل ، حين بدأ العملاء يتقاطرون ، أخذ يراجع أوراقهم ثم يوقعها ويختمها ويقبض أو يصرف ، وحين إنهمك في دورة العمل التي تحتاج تركيزا قويا ، زالت عنه غمته ونسى همومه وسر وأنشرح ! بعد نهاية اليوم الأخير له كصراف ، أخذ يرتب أوراقه ويراجع حساباته ، ثم سحب الدرج الخشبيّ ليخرج النقود الورقية التي جمعها ، حتى يعيد عدها وتصنيفها وربط كل فئة منها بالإلاستك المغاط كالعادة ! خرج الدرج سهلا في يده لكنه لعجبه كان .. خاويا ، مكث عليثة برهة ينظر إلى الدرج الخالي بإبتسامة بلهاء إرتسمت على فمه ، فقد كان غير مصدقا مايراه ، ورغم ذلك كان عقله يصرخ بهلع " أين النقوووووووووووووود ؟!!! ". إنتفض عليثة من مكانه كمن لدغه عقرب ، وأخذ يحرك الأشياء ويقلب الملفات و الأوراق ثم هبط إلى الأرض يتلفت تحت المكتب وتحت الكرسي ويقلب في علبة القمامة دون جدوى ! والنتيجة أنه لم يعثر على شيئ ، وكأن الأرض إنشقت وإبتلعت غلة اليوم من النقود ، ولما يئس أسرع إلى المدير يخبره بما حدث ، صاح المدير في وجهه غاضبا : " ماذا تعني بأن الفلوس قد إختفت ، أتتهم أحدا من زملائك بأخذها ؟! ". قال وهو يهز رأسه : " لا أتهم أحد لأني لم أغادر مكاني ! ". • : " إذا أين ذهبت النقود ؟! ". • : " لا أدري ! ". • : " هل بحثت عنها جيدا ؟ ". • : " مرات عدة ". • : " إسمع ياعليثة ، أنا لا أريد شوشرة بالبنك ، سوف أعطيك مهلة حتى نهاية الأسبوع القادم لتحضر النقود ، وإلا أبلغت إدارة البنك والشرطة ، ولولا معرفتي بأمانتك ما كنت خاطرت وطرحت هذا الحل ! " ـ هذا ما قاله المدير بعد لحظة تفكير ، وهو يعدل من وضع شماغه . إشتدت العاصفة الترابية عنفا فإسودت الدنيا وضعفت الرؤية في عز النهار ، كانت الأعمدة تهتز والنوافذ والأبواب ترتج ، فأغلقت المحلات أبوابها والبيوت نوافذها ، وقلت حركة السيارات والمارة في شوارع القرية ! كان عليثة راجعا إلى بيته يسوق سيارته على مهل وأنوارها مضاءة ، وكان الغبار الدقيق يلصق بزجاج السيارة فيزيده إعتاما ، وكانت أوراق الصحف وكراتين الخضار وأكياس التعبئة وأوراق الأشجار ، تتطاير مع زوابع الريح في حركات بهلوانية أروع من الحركات ، التي يقوم بها بهلوانات السيرك أمام كم من الأطفال المشدوهين ! أسرع عليثة بدخول بيته هربا من زوابع الغبار ، كان يشعر ككل الناس بالإختناق وصعوبة في التنفس من هذا الهواء الملوث ، كان من الصعب الهرب من الغبار لأنه كان يتسرب من فتحات دقيقة غير معلومة بشقوق البيوت ، إستنشاق هواء محمل بذرات التراب يجعل الصدر ضيقا حرجا كأنك تتصعد إلى السماء ، يزداد قلقك وتظهر عصبيتك ويعمك زهق وضيق ! قضى عليثة ساعات متواصلة في مكان واحد ، جثته كانت متكئة على (تكاية) المجلس ، وعقله كان شاردا يستعرض رحلة حياته كلها وما حدث فيها ، لم يلحظ أن البيت صار غارقا في الظلمة ، فلقد أحاطته حلكة الظلام من خارجه ومن داخله ! دقات متواصلة أزعجته وأخرجته من رحلة ذهوله ، قام متجها إلى الباب مؤملا أن تكون أم حنيش هى من تدق بابه ، لكنه لم يجد أحدا ، وظلت الدقدقات المتواصلة تقرع أذنيه فأقلقته وعصبته ، صار يدخل غرفة وراء أخرى بحثا عن مصدر هذه الدقدقات ، كل النوافذ في الدور الأرضي والذي يليه كانت مغلقة بإحكام ، لم يبق إلى السطح فصعد متجها إليه ، فتح باب السطح فهاجمته زمجرة الرياح العاصفة الغاضبة فأوقفته ، لكنه لاحظ في هذه الظلمة الهوجاء أن سقف (عشة) الدجاج ، التي كانت تستخدمها أمه في تربية الدواجن هى مصدر الدقدقات ! حين أراد العودة داست قدمه شيئ لين ، صرخ الشيئ (نااااو) وخربش رجله وقفز إلى الظلمة ، إعتقد أنها قطة سوداء كانت راقدة دعسها فعضته وهربت ، لكن بعد هروبها سمع صدى قهقهات آدمية تصفق أذنيه ! في المطبخ عالج عليثة جروح خربشات القطة السوداء ، ثم إنهمك في تجهيز عشاءه بسمكة أطول من كفه بقليل ، أذابها ثم نظفها وقطعها نصفين وأملحها ، وحين حميّ الزيت على النار أسقطها وأخذ يقلبها بين حين وآخر ، حين إستوت وضعها في طبق ، ثم أطفأ شعلة النار وذهب إلى المجلس ليتعشى ! رغم أن عليثة لا يحب الإستحمام في البحر أوركوبه ، إلا أنه تربى على حب أكل أسماك البحار ، يحب لحم أسماك (الناقل والهامور والشعري والتونة والكشر والبياض والحريد) ! حين ينهمك في أكل السمك ينسى تماما ما حوله ـ كما هو الآن ـ ينسى زمجرة الرياح وقرقعات السطح وذرات الغبار الخانقة ، وطقطقات المطبخ التي أصبحت زاعقة ! " حقا أصبحت الطقطقات والفرقعات الصادرة من المطبخ زاعقة ، إيش الحكاية ؟! " ـ هذا ما قاله لنفسه حين إنتبه وتوقف عن الأكل ونهض ليرى ماذا يحدث . قبل أن يقترب من المطبخ رآها ، إنها نارا حامية ! . ندت منه صرخة ألم وهو يصيح بأعلى صوته " حرييييق ! ". في هذه اللحظة لطمه تيار هوائيّ بارد من خلف ظهره ، كأن شاحنة كبيرة مرت مسرعة خلفة ، فجعلت جسده يقشعر ، وينتفض شعر رأسه واقفا كالمسامير ! تمالك نفسه وحاول أن يندفع إلى المطبخ ، لكن النار أوقفته ، كانت قد أمسكت بكل شيئ ، وكانت حرارتها اللافحة تمنع الإقتراب ، وكان الدخان الأزرق يتجمع كالسحب الكثيفة في حلقات متداخلة قرب السقف ! كان منظر النيران رهيبا وهى تلتهم محتويات المطبخ ، لم يكن عليثة مؤهلا لمجابهة حريق ، فوقف مسلوب الإرادة يتفرج على هذا (المارج من نار) وهو يبتلع كل شيئ ، حاول المارج الأحمر الخروج إلى باقي البيت بعد أن أتى على المطبخ ، لكن عليثة المستنفر والتي كانت نظراته قد صارت غاضبة ثاقبة .. أوقفته .. ظل عليثة مسلطا نظراته بقوة على المارج دون أن يرف له جفن ، فبدأ المارج يتراجع ويتلملم وينكمش ويصغر ويذوى ويتضاءل ويتلاشى ، إلى أن فنى .. حين خبت النيران كان كل جسد عليثة قد صار منهكا ، عقله وعظامه وعضلاته وأعصابه ودماؤه كلها أرهقت تماما ، ولم يعد يقوى على الوقوف ، إنهار على الأرض يبكي ويرتجف ، وأخذ جسده يفرز أنهارا من العرق الغزير ! بعد ساعات أفاق وبما تبقى من قوته أخذ يزحف ببطئ على الأرض نحو المجلس ، أراح جسده على الحشية ثم نام أو أغشىّ عليه ، لم يدري كم من الوقت مضى عليه راقدا هكذا في هذه (الليلة الرهيبة) ! سمع صوت عمته أم حنيش تنادي عليه : " عليثة ياعليثة ؟ ". أجابها بصوت مخنوق : " نعم ياعمة ". قالت بحنان بالغ : " معليش ياولدي .. لن تنجو من قدر محتوم ! ". • : " قدرمحتوم ! .. لا أفهم شيئا ياعمة ؟! ". • : " ياولدي هذه حكاية طويلة ، بدأت في زمن قديم وتنتهي عندك ، لأنك أنت (اللاقح الموسوم) ! ". • : " زدتها غموضا ياعمة ؟! ". • : " إسمعني زين ياعليثة ولا تحزن ، فنحن نساء قوم فنوا نعيش في الجزيرة الصغيرة المهجورة أمام قريتكم منذ عهود ، ونحن لا نظهر إلا في حلكة الليل البهيم ، وأحيانا نجتمع في أماكن عدة ، ولعلك تذكر (الحلقة) التي كانت تجمعنا مع أمك لأنها واحدة منا تزوجها أباك ، وهؤلاء القوم موعودون بالبعث إن إنولد لهم غلام من أم منا وأب منكم ذو خوارق ، وهذا الأب (الموسوم) أو اللاقح له دلالات وعلامات مدونة بألواحنا ، وكنا على مر العهود والدهور نرصد مجيئه ونراقب ظهوره ، إلى أن ولدت أنت وظهرت خوارقك ، فعرفنا أنك اللاقح الموسوم ، والنبوءة تقول : ( أن البنت إذا تلقحت وتأكدت من حملها .. فعليها أن تقتل بيدها بعلها ! ) ، كما تفعل ملكات النحل ، وأنت سيد العارفين ! وكان عندي إبنتان هما يمنى ويسرى ، فوضعناهما في طريقك ، أما يمنى فلأنها خيرة .. أحبتك ورفضت قتلك ، فقتلناها بالفطر المسموم ، عطلنا سيارتك حتى تشتد حرارة الشمس ، فيهبط الفطر الجيد إلى عمق التربة ولا يبقى إلا الفطر المسموم ، وعطلنا سيارتك في العودة حتى يسري السم في بدنها وتموت ، عقابا لها على مخالفة شريعتنا ! أما يسرى فصيح أنها شريرة لكنها محافظة على عهودنا ، وقد حاولت قتلك مرات ومرات ، لكنها لم تنجح ، ولهذا أنقذناها من الغرق حتى تكمل مهمتها ، فمعليش ياولدي ، هذا هو قدرك المحتوم ، وإلى أين ستهرب منه أو منها ؟! " . تلاشت صورة أم حنيش وحلت محلها صورة يسرى تهمس : " عليثة ياحبيبي ، أعطني الآن قبلة الوداع " ، ثم ركبت فوقه ومالت عليه لتقبله ! ورغم أن عليثة كانت كل قواه خائرة ، وكانت عضلاته رخوة وواهنة ، إلا أنه رفض قبلتها وأخذ يصارعها ويلطمها في مواضع عدة وهو يصرخ : " إبعدي ، إبعدي عني ياشريرة ياملعونة ، إبعدي .. إبعدي .. إبعديييييي .. " ! تنبهت حواس عليثة وفتح عينيه ، وجد نفسه مازال راقدا على حشية المجلس ، عرف أنه كان يحلم وأن الحلم كان كابوسا مرعبا ، نتيجة تأثر عقله الباطن بأحداث الليلة الرهيبة التي مرت به ، أدار وجهه إلى الجانب الأيسر وتفل ثلاث مرات وهو يستعيذ بالله من الشيطان الرجيم ، كما تعلم ! نهض وأضاء النور وأخذ يمسح على جبهته المعرقة ، أراد أن يرجع ثانية إلى فرشته ، قبل أن يجلس لمح بريق القلادة الذهبية ، القلادة التي كانت ترتديها يسرا حين ذهبا لرحلتهما ، كانت القلادة ملقاة بجانب حشيتة وسلسالها منفرط ، أخذها في يده وأخذ يتأملها بعمق ، راحت أفكاره تدوروتدور ، مثل دوامة الماء في الخزان ، ألسنة المياه التي كانت تدور بعنف ، صارت تلحس جوانب عقله إلى أن إلتحس ، فأخذت عينيه الزائغتان تدوران في محجريها ببطئ ، تتحرك كعقارب الساعة ، أحس أنه عقرب صغير يدور ، وأن هناك عقربا آخرا أكبر منه يتبعه ، يلاحقه ، يريد الإنقضاض عليه ، والقضاء عليه ! فإلى أين الفرار ؟ وعقارب الساعة محاطة بالإطار ، والعقربان يجمعهما نفس المسمار ! .. لا مفر إذا (كما قيل له) مما كتب في الأقدار ؟! صلى عليثة الفجر في مجلسه ، ثم بحث عن ملابس أبيه ، الثوب الأبيض المبقع والمشبع بزفارة السمك ، والشماغ الباهت الكالح ، لبس الثوب ، ولف رأسه ووجهه باشماغ ماعدا عيناه ، ثم إتجه إلى باب البيت .. وفتحه ! هل كل كلمات الأرض وبكل لغات العالم ، المنتشرة بالكتابة أو بالكلام في قاراتها الخمس ؟ بحروف كبيرة أو حروف صغيرة ، بالصراخ أو بالهمس ؟ تستطيع أن تعبر عن حالة عليثة ، بعد ما حصل له ، وخاصة بالأمس ؟! ـ : ... ؟! كانت الدنيا مازالت في مخاض ولادة ضوء النهار ، وكانت بقايا العاصفة مازالت تحرك بلطف أغصان الأشجار ، وكانت بعض الطيور قد بدأت توقوق وتغادر أعشاشها ، وكان الغبار مازال ممسكا بتلابيب الهواء ! وكان الصيادون قد بدأوا في التجمع حول قواربهم وهم يصبّحون على بعضهم ويتسامرون ! لكن همهمات الصيادين توقفت وإتجهت أبصارهم إلى شخص ! كان الشخص الذين رأوّه يسير بثبات نحو مركب النوخذة .. دفع الشخص المركب نحو البحر .. ركب الشخص المركب .. أخذ الشخص يجدف نحو عرض البحر ! ـ إلى يومنا هذا يقول الصيادون أنهم يتحاشوّن الإقتراب من هذه الجزيرة ليلا ، بسبب أنهم يسمعون أصواتا وصرخات نسائية تصدر منها ! .. ( أحلاما سعيدة وتصبحون على خير ، مصـطفى سـكر ، جدة ، يناير 2007 )

ليست هناك تعليقات: