معيوف المخطوف
كتبها لكم : مصطفى سكـر
- المدينة التي ليس بها كلاب حراسة ، يحكمها ابن آوي . مثل سومري
يتحسس نفسه بين فينة وأخرى ليتأكد من كيانه أثناء ما يجرجر رجليه قاصدا حيّه التعيس ، يتمنى في كل جرة رجل ألا يقع في الخطوة التالية ، يدس يده في جيب ثوبه الأيمن ، ثم يسارع بإخراجها وكأنه إرتكب خطيئة ، يعيدها ثانية إلى الجيب لإحساسه أن الخطيئة أنه أخرجها ، يتذكر أن يده اليمنى هى التي بالجيب فيخرجها منزعجا بحكم ما ترسب عنده من حرمة تغييبها ليضع الأخرى في جيبه الأيسر ! .. خشى أن يكون إرتباكه قد لفت من يمرون به ، فقد كان مبعثرا ومتعثرا في نفسه ، كان يشعر بغربة شديدة في هذه المدينة الصاخب ضاجها ، رغم أنه قضى عمره بها ، ليس بها بالضبط ، لكن في طرف أحد أحيائها العشوائية ، لم يغادر هذا الحّي التعيس حتى صار شابا مكتمل الرجولة ، أباه هو الذي دفعه دفعا للخروج من الحّي وإكتشاف المدينة ، بعد أن لاحظ عليه كثرة اللعب أسفل بطنه ، قال له .. - ظروفنا جد بئيسة في هذا الحي المكتظ المنسي ، لن تستطع ياولدي أن تجد بضاعتك التي تصبو نفسك إليها ، أخرج وتمشى وسط المدينة ، فإن فعلت ، فستجد في الأرض مراغما كثيرة ! .. على هذا بدأ التمشية رغم عزوفه ، كان راضيا بموقعه في قوقعة هذا الحّي المهمل الذي يشبه مخيم النازحين من جحيم الحروب أو من الكوارث الطبيعية ، لكنه ولد وترعرع فيه ، ولم يكن طموحه يدفعه يوما للخروج منه ، بل كان يخشى مجرد فكرة الخروج ، كانت قناعته أنه لو خرج فسيموت ، كما يموت السمك إن خرج من الماء ، كان هذا الحّي العشوائي المنسي بكل نقائصه هو ماؤه ونهره وبحره ، محيطه الذي يحتويه ويسبح في تيارات دروبه التي يعرفها جيدا ! .. وكانت المدينة في نظره رغم زخرفها وبهرجتها (بعبع) كبير يلتهم الغرباء ، ورغم ما يسمعه عن كبر مساحتها وإتساع فضاءاتها إلا أنه سمع أيضا أن الحياة بها تشبه الحياة في سجن ضيق كئيب ، وأن أحياءها الحديثة وشوارعها الفسيحة ماهى إلا قفص كبير محكم جدرانه بنيت من الأحزان وسقفه الذي يعلوه قد من الكآبة ! .. ظل يبذل مجهودا كبيرا ليجعل خطواته ثابته على الرصيف ، لكن الأضواء المبهرة التي كانت تغمز ملونة على واجهة المحلات ومن أعلى البنايات كانت تزعجه فينتفض بدنه مرتعشا مع غمزاتها ، حتى إشارات المرور في نهايات الشوارع التي كانت تتغير آليا بين الأحمر والأصفر والأخضر كانت تؤلمه وتستنفر حواسه ، أما ما كان يرعبه حقا هو إنطلاق السيارات التي كانت تلمع تحت الأضواء ، بسرعة خارقة رغم تزاحمها وإنعدام المسافات الآمنة بينها كأنها أسراب من الجراد يقودها جوعها ونهمها للهجوم بأفواج متراصة على الحقول الآمنة الخضراء لتلتهمها ، وهذا ما جعله يتهيب النزول لفترات طويلة من فوق الرصيف عند كل معبر حتى لا تلتهمه إحدى هذه الجرادات ! .. ظل منزعجا ومتألما ومتهيبا وهو يشق طريق عودته إلى الحّى بعد غيبة إستمرت قريب الشهرين منذ جاء إلى وسط المدينة راكبا (الأنيسة) وهى الحافلة الشعبية الصغيرة المتهالكة التي يقودها سائق متهور ، كان محشورا بين آخرين أغلبهم مغتربين جاءوا سعيا وراء الرزق ، وقد تنفس الصعداء حين هبط منها خاشيا أن يكون قد علق به رائحة عرقهم النفاذة أوعلل أبدانهم ، لقلة الإعتناء بنظافتها ، خاصة إنه قد تحمم وتعطر وتبخر ولبس ثوبه الوحيد الذي غسله وكواه قبل أن يبدأ رحلته الميمونة ! .. نسى كل هذا حين جذبت عيونه ضخامة وفخامة المجمع التجاري الشهيرالسابح في الأنوار، وقف أمامه مبهوتها ومبهورا يتأمل روعة بنايته ! .. لم يجرؤ على التقدم مثل ما يفعلون والدخول إليه ، خوفه المبطن من (بعبع) المدينة صده ، فسلم نفسه مختارا أومجبرا لرهّاب خوفه وظل بعيدا يتأمل مترفيها يدخلوا فيها بجلباتهم وضحكاتهم ، سيارات كثيرة تقف أمام المجمع تهبط منها مجاميع أسرية تبدو عليها مظاهر النعمة والبطر ، جاءوا ليمضوا وقتا يبعدون فيه ملل إستراخاءاتهم في تسوق إحتياجات كثيرة ليسوا في حاجة لها بالضرورة ! .. في لحظة برقت في نفسه شجاعة وقتية دفعته فضوليا أن يفعل مثلهم ، لكنه قبل أن يفعل ، تراجع لأن عيناه سقطت على رجلين للحراسة بزيهما المميز يحرسان باب المجمع ، ففضل ألا يغامر وإكتفى بالإنزراع في محله والتفرج من بعيد ! .. كانت عيونه تمتط زائغة لكل من تحمل حقيبة تتدلى من كتفها وترتج أعطافها الأنثوية من تحت عباءتها وترقى فوق حذاء نسويّ لماع ببوز مدبب طويل وبكعب عالي خطير ومدبب هو الآخر ، صفع أنفه أريج عطر قويّ فواح أيقظه من لهاثه وجعله يلتفت مذعورا في إتجاه مصدر هذا العطر الفواح كمن مسه تيار كهربيّ فصعقه وجعله يصرخ بعفوية .. - ياالله ، إنه ريح طيب من أرياح الجنة ! .. كان شبح إمرأة قد مر بجواره دون أن يلحظ رآها من ظهرها تتجه واثقة الخطى نحو مركبة سوداء كبيرة إنفتح بابها فولجته ، لحظات وهبط من السيارة عملاقان أسودان يرتديان بذلات داكنة وربطة عنق مقلمة ومن آذانهما تتدلّى أسلاك تشبه أسلاك سماعات التلفونات وعلى وجهيهما نظارات سوداء معتمة تشبه زجاج سيارا ت الشرطة ، إلتفا حوله ثم جراه بقوة نحو السيارة مما جعل قلبه يسقط بين رجليه ويسير مسحولا بينهما بلا مقاومة تذكر ، قذفاه داخل السيارة على أريكة جلدية فسيحة فإرتمى بين زنقتيهما من جانبيه ! .. حين عاد إليه رشده وجد على الأريكة المقابلة المرأة ذات العطر الفواح وكانت قد كشفت عن وجهها القمريّ الذي جعله يعتقد أنه إن تلألأ في ظلمة السماء لأضاءها ، نظر مشدوها إلى فتنة محياها وإنسطلت رأسه بخمرة فتنتها فغاصت يده لاشعوريا تتحسس أسفل بطنه ، لكن حين غربت السكرة وحضرت الصحوة سمع المتلألئة تسأله بإبتسامة خطافية من بين فراولتيّ شفتين تشتت ذهن العابد الزاهد ! .. - أأعجبت بجمالي ؟ .. إنكمش في مكانه ولم يستطع النطق رعبا من جراء حشرته بين رحى العملاقين ، فقط أومأ برأسه إيماءة خفيفة دليل الرضا .. - وتتمنى الزواج مني ؟ .. حين إخترقت كلماتها الأخيرة طبلة أذنه ، بزغت من ظلام تربته أمنيات كانت مقبورة منذ بلوغه مبلغ الرجال وتسلقت أسوار وجده صاعدة نحو سنا ضياء المتلألئة كما يتسلق نبات اللبلاب الأسوار العالية مشرئبا نحو سنا ضياء الشمس ، أومأ برأسه ثانية متأملا ومتمنيا .. وقتئذ أشارت بأصبعها الطويل الذي ينتهي بأظفر ناري يشبه أصبع الديناميت المشتعل الذي يوشك على الإنفجار إلى أسفل بطنه آمرة الرجلين بالكشف عما عنده ، أسرع أحدهما بتكبيله من رقبته ليشل مقاومته ، بينما أنزل الآخر سرواله وكشف عن سره الأعظم ، لما رأت المرأة سره ظهر عليها الدهش وسرت سرورا عظيما ، فأشارت ثانية ، فأسرع من كشف السر بتغطيته ، طقطقت المتلألئة بأصبعيها ثلاث مرات ، بعدها طارت المركبة مسرعة إلى الأمام ، لا ، بل إلى الخلف ، لا لا ، إلى الأعلى ، نعم طارت إلى أعلى ، أتريدون الحقيقة بالضبط أنا لا أعرف في أى إتجاه طارت لأني وقتها لم أكن في موقف يسمح لي بتحديد إتجاه طيران المركبة بكل دقة ، فقد كنت منضغطا ومشوشا ! .. خرجت كلمات متثاقلة من بين فكيّ عويضة أبو مطوة (سميّ بهذا لشهرته باللعب بمدية أو مطواة لاتفارقه لها سلسال طويل يظل يطوحه ويلفه حول أصبعه) .. - هااااه ، هذه هى الأطباق الطائرة بعينها ، سمعت بها ، سمعت أنها تهبط من السماء وتخطف بعض البشر ثم تذهب بهم إلى حيث لا يعلم أحد ! .. تبعه سبيت الأبرص مؤكدا على روايته بإندهاش .. - أنا الآخر سمعت بهذا من عمي قديما لكني كنت أظنه (يخرط) فلم أعر الأمر إهتماما ! .. وقال دليبح متدخلا ومحذرا .. - صدق ، كل كلامكم بالله صدق ، لكن إعلموا أن هذه الكائنات لا تأتي في صورتها ، بل تتلبس لبوس البشر حتى يسهل عليهم الإندماج بنا ، تماما كما وصفهم معيوف ! .. عاد عويضه يتدخل لينهي سخونة النقاش ، فصاح وهو يطوح بسلسال مطواه .. - ياشباب ، ياشباب ، أرجوكم إصمتوا حتى نتمكن من سماع بقية الحكاية ، بعدها علقوا كما يحلو لكم وكما تشاؤون .. كان هذا الحوار بين مجموعة من الشباب يقفون على رأس الحىّ فوجئوا بظهور معيوف فإلتفوا حوله وأخذوا يمطرونه بوابل من الأسئلة لإجلاء غيبته عنهم وعن الحىّ .. كان معيوف على وشك الإنهيار من التعب فقد سار طويلا في حر الليل ونفث جسده أغلب سوائله فإلتصقت ثبابه بجسده ، إنهار تعبا على حافة بيارة بيت شعبيّ قريب تتسرب من شقوقها غازات عطنة وترتشح من جوانبها مياه آسنة ذات رائحة كريهة ، وعندما إستراح بدأ يستجيب لإستفهاماتهم ، بعد أن هبطوا مثله على الأرض وإلتفوا حوله منصتون ولم يعيروا ما يستنشقونة من روائح أى إعتبار فلقد صاروا في غمرتهم يعمهون ! .. لم أعرف كم من الوقت مر لكني أفقت فوجدتني داخل بنيان كبير تغمره الأضواء وتزينة الفرش وتملأ جنباته أثاثات فاخرة لم أرى في حياتي أو حتى في أحلامي أشياءا مثلها ، تركوني في مجلس كبير مؤثث بأفخر الكنبات والسجاجيد والستائر وتتدلّى من سقفه أنفس الثرايا وتفوح من جنباته أغلى انواع البخور ، أخذت أتلفت حولي مدة مسرورا ومندهشا كأني في حلم جميل ، وساءلت نفسي .. - أمعقول أن على هذه الأرض التي نعيش فوقها بيوتا بهذه الأبهة ؟ لقد عشت عمري كله في بيت متواضع بل أقل من التواضع نفسه ، لذلك كانت الصور المنطبعة في مخيلتي ، أن كل البيوت كبرت أو صغرت تتشابه ، لكن الصور التي رأيتها حولي طمست ما في مخيلتي ، بعد أن إكتشفت وقتها أننا نعيش في الحضيض ، بل أسفل كثيرا من الحضيض ، هذا إذا كنا نعيش حقا ؟! .. والأدهى أنه دخلت علّى خادمة تدفع أمامها عربة صغيرة ترتص فوقها أواني بلّلورية مليئة بأنواع كثيرة من الفاكهة بعضها عرفته على الفور كالموز والبرتقال أما الأخريات فقد فشلت في معرفتها ، أما القوارير الكبيرة الممتلئة بالعصائر الملونة - فالكذب خيبة- لم أعرفها جميعها ! .. وكأنها كانت تسألني ما أريده من عصائر لتصبه لي ، لكن عصىّ على فهمها أو الرد عليها ، لأنها كانت تتكلم الإنجليزية بلكنة غريبة وبسرعة ، فلما طهقت من غباوتي تركت العربة أمامي وإنصرفت ! .. بعدها بمدة جاءني ثلاثة من نفس النوعية فتيات تشبه اليابانييين أو الصينيين لكن لحسن حظي كانت إحداهن تتكلم العربية بطريقة ركيكة لكن مفهومة ، أخذنني من المجلس إلى ممر طويل وإلى منحنيات وصالات وسلالم رخامية مصقولة وإنتهينا إلى غرفة نوم كبيرة مفتوح داخلها بابا لحمام ، لما ولجناه رأيته نظيفا ومنمقا ومنضبطا مثل صيدلية الخواجة ، وكان كبر الحمام يشبه كبر بيتنا إن لم يكن أكبر ، وفيه أجلسنني ثم بدأن العمل ، إحداهن تقص وتتصفف شعري والأخريات يشذبن أظافر يدي ورجلي ، ثم أزالوا لحيتي وشاربي ، وقبل أن يخرجن طلبن مني أن أستحم داخل المسبح وأتنشف ثم أرتدي الروب المعلق وأدخل الغرفة وأخلد إلى الراحة ! .. رغم إحساسي بالتعب ورغم أن السرير الفخم كان مريحا ، لكني كنت أتقلب كدرا ، لأن جسدي لم يتعود على هذه الراحة ، جسدي لم يتعود النوم إلا على لوح المسامير كفقراء الهنود ، ومساميري كانت مرتبة قطنية منبعجة ومهترئة وغطاء من الصوف مشبعان برائحة الخرفان أو ببول الصبيان رغم أنهم كانوا ينشرونهما فوق سطوح البيت تحت أشعة الشمس كل يوم ! .. كنت أتخطف النوم لمدد مختلفة ثم أصحو قلقانا وحيرانا ، أضيئ الأنوار وأذهب إلى الحمام وأقف أمام مرآته الكبيرة أطالع فيها بتعجب وأسأل بصوت مسموع .. - من أنا ؟ أين أنا ؟ وكيف جئت إلى هنا ؟ ، ومن هذا الشخص الواقف أمامي في هذه المرآة ويكاد يشبهني ؟! .. في صبيحة اليوم التالي أفطروني إفطارا شهيا ، ثم أحضروا ممرضة قالت إنها ستزرقني بحقنة بها مجموعة فيتامينات ستجعلني بخفة جان وقوة حصان لمدة شهر كامل بالتمام والكمال ، وفي المساء أحضرت إلى مجلسهم الكبير الذي كان عامرا بالأوادم ، تهللت قسماتها حين رأتني بينما لصق بصري بفستانها العشبيّ الذي يشبه البستان المرتوي بندى صبح نديّ رقيق جعل جمالها الفضاح يصرخ " ياأرض إغلي ما عليكي مثلي " كما يقول المثل الدارج عندنا ، فلم أبالي بعيون الرجاجيل التي كانت تتفحصني وتتمحصني على إعتبار أني مخلوق عجيب إلتقطوه من كوكب غريب ! .. ويبدو أن أحدهم كان مأذونا ، إذ شرع في التو بفتح كتابه وتلاوة كلمات متراصة كأنه يحفظها عن ظهر غيب ، ثم طلبوا مني التوقيع وتبعني شخصين آخرين ، بعدها طوى كتابه وهم بالإنصراف فتبعه كل من كان حاضرا ، وتركوني وحدي بالمجلس مع المتلئلئة التي صارت زوجتي ! .. بثقة تامة أمسكت بيدي وقادتني إلى غرفة نومها الأسطورية ، وعلى أضوائها الشاعرية بدأنا نتقارب ونتهامس ونتلامس إلى أن ذقت عسيلتها وذاقت عسيلتي مرات عدة حتى أنهكنا فنمنا إلى عصرية اليوم التالي ، وفي المساء زارنا شخص متين تبدو عليه النعمة والثراء وتظهر من تصرفاته العصبية أنه شخصية حادة ، نظر إليّ مليا والشر يقدح من عينيه ، ثم قال بفظاظة موجها كلماته إليها .. - ألم تجدي غير هذا الجرز المهين الذي لا يكاد يبين لتتزوجينه ؟! .. توقف معيوف برهة عن الكلام ثم توجه بكلامة إلى أصدقائه إمعانا في تشويقهم .. - أتدرون بماذا ردت عليه ياشباب ؟! .. غمغم بعض الشباب أو كلهم متسائلين بلهفة .. - هاه ؟! ضحكت بسخرية ودلال ثم جذبت يدي تضمني لجنبها ، وبدأت ترد له الصاع صاعين برد بدى قصده مفضوحا وهو كيده وأغاظته .. - رحماك ياطليقي رحماك ، لا تتسرع في حكمك ، أما والله لو إستدبرك بما إستقبلني به ، لبعت طارفك وتلبدت عليه ، ولعظم أمره عليك وصار أسدا في ناظريك ! .. إرتج جسد المتين غضبا من قسوة ردها وإحمر وجهه خجلا ، لكنه لم يرد ، بل مصمص شفتيه وكز على أسنانه ثم صفق كفا بكف وإستدار وإنصرف ! .. بعدها أخذت تقهقه نشوانة بتواصل وهى تفسر كنه ما حدث .. - كنت قاصدة إهانته وأغاظته لأنه يستاهل هذا وأكثر ، فهو زوجي السابق الذي طلقني طلاقا بائنا على أسبابا تافهة ! .. وبدأنا شهر العسل برحلة خططتها بنفسها إلى تركيا ، توجهنا إلى بلدة إسمها إنطاليا ، ومنها إلى جزيرة قريبة تسمى مرمريس وهى فعلا جوهرة شواطئ تركيا كما أخبرتني ، هذه الجزيرة ياشباب تقع على بحر يسمى إيجه والعجيب أن كل الرمال الناعمة لشواطئها الجميلة سوداء اللون ، والأعجب أن مسمى مرمريس كما فسرته لي يعني باللغة اليونانية " المتلئلة " وهو الإسم الذي سميته أنا لإمرأتي منذ لحظة رؤيتها ، لكني لم أبح لها به أبدا ، فأصبح ياسعدي عندي متلئلئتان في شهر عسلي ! .. سكننا في بيت فاخر ، فيلا صغيرة ، من الفلل المنتشرة على ربوات الجزيرة الناعسة ، وفيها حضرنا كثيرا من مهرجانات الترفية وعروض الرقص والغناء ، لكن أجملها عندي كان التمتع بمشاهدة المياة الساقطة بغزارة بزبدها الأبيض من علو شاهق من بين الأشجار الوارفة في بلدة صغيرة تسمى ، فتحية ، هههههههههه (يضحك) ! .. وياغمّي وياحزني حين كرّت الأيام وإنتهى شهرعسلنا سريعا وشددنا الرحال للعودة ثانية إلى هذه الديار ! .. في نفس يوم عودتنا مساءا وحين مازلت أرفل في نشوة الفرح تغيرت الأحوال الجوية ، وإنقلبت نشوتي وفرحتي إلى غم وهم ، فقد فوجئت بها عابسة ومتجهمة وجادة على غير العادة ، جلست أمامي وقالت وعينها لا تطرف ولا تفارق عيني .. - إسمع يامعيوف ، أنت أكيد تعلم أن إستمرار زواجنا من درب المستحيل ، فأنت من ضفة وأنا من ضفة أخرى ، ومن العسير على ضفتيّ النهر أن يلتقيا ، يمكن أن يتقاربا ولكن سرعان ما يتباعدا ، فالشرق شرق والغرب غرب يامعيوف ولن يلتقيا ، ولعلك بعد أن إقتربت من حياتي علمت ضخامة متلطباتي وبازخ رغباتي وطريقة حياتي ، وأنت أكيد ولا ألومك على هذا ، لن تستطيع أن تتحمل عبئ هكذا معيشة ، وأنا ، من رابع المستحيلات أن أتنازل عن حياتي هذه من أجل أى أحد ، وعلى هذا فقد جاءت لحظة الحقيقة التي لابد من إعلانها ، وعليك ياإبن الحلال أن تتقبلها بكل هدوء وكياسة .. بعد قليل سوف ننفصل عن بعضنا وسيذهب كل منا في حال سبيله ، وأنا وأنت يجب ألا نندم على ماقمنا به ، علينا أن نعتبره حلما جميلا رأيناه ولكن الأحلام تتلاشى عند الإستيقاظ كما تعلم ، هيا يامعيوف كن متفهما ومطيعا كما عهدتك ، فالرجال ينتظروننا في المجلس ومعهم المأذون لنتمم إجراءات الطلاق ! .. أخذت بيدي ، لثمتها ، ثم سحبتي منها ، كما يسحب شاري الأضحية أضحيته إلى المسلخ ليذبحها ، تبعتها راضيا دون أن أنبس بأى كلمة بعد أن دلقت فوق رأسي تعاويذ كلماتها السحرية التي شلت مقدرتي وتفكيري ! .. في المجلس رأيت (ربعها) يتسامرون ويضحكون ، وكان بينهم طليقها المتين الذي كان يرتج ضحكا ، فلما رأونا توقفوا ، فتح المأذون كتابه وطلب مني رميّ يمين الطلاق عليها ، أدرت رأسي نحوها وكأني أريد التأكد من صلابة رأيها ، رأيتها سعيدة وباسمة وتومئ لي برأسها ، فنطقت مخنوقا .. - أنت طالق ، طالق ، طالق .. في غرفة نومنا طلبت مني الخادمة التي تتكلم العربية أن أدخل الحمام وأترك ملابسي وألبس الملابس التي حضرت بها والمعلقة على المشجب ، ولما خرجت وجدت طليقتي منتظرة ، شكرتني بحرارة ثم مدت يدها بمظروف قالت أن به مبلغا من المال ، بالطبع رفضته ، لكنها أصرت أن آخذه كهدية وقالت أن الهدية لا ترد ! .. على باب البيت وجدت المركبة الكبيرة في إنتظاري وبجوار بابها المشرع العملاقان إياهما ، دفعاني داخل السيارة وركبا حولي ، بعدها طارت المركبة إلى الأمام ، أو إلى الخلف ، ويجوز إلى أعلى ، عموما لا أستطيع بالضبط أن أحدد لكم في أى إتجاه طارت ، لأني كما قلت كنت مرتبكا ومشوشا ! .. وعند نفس المجمع التجاري الذي قابلتها عنده أخرجاني ، لكن قبل أن أهبط من المركبة دس أحدهما يده في جيبي وأخذ الهدية ، الهدية التي لا ترد ، ثم دفعني بغلظة إلى قارعة الطريق وطاروا ! .. توقف معيوف عن الكلام بعد أن تهدج صوته وإمتلأت عيناه بالدموع ، وضع رأسه بين كفيه وأخذ ينتحب في هدوء ، في حين ماتت الكلمات على ألسنة أصحابه التي تيبست ولم تستطع أن تعقب على غيبته كما كانوا يزمعون ، قطع السكون مواء طويل مكلوم لقطة كانت تقف في ركن بعيد ، سأل معيوف ورأسه مسجاة بين يديه .. - ماهذا المواء الغريب ؟ .. - إنها بسّة تبحث عن عرّي ، (صوت عويضة يجيبه بحزن) .. - وماهو هذا العرّي الذي تبحث عنه ؟ .. - العرّي هو الذكر يامعيوف .. رفع معيوف رأسه من بين كفيه ومد يدا نحو عويضة جذب بها المطواة ثم فتح نصلها ببطئ وهو يقول .. - حسنا ، أنا لم أعد في حاجه إليه بعد أن أخرجت منها ! .. وبيد ثابتة أرخى سرواله وقطع ذكره وطوحه ناحية القطة التي قبضت عليه بأسنانها وإختفت ، لحظتئذ هب الشباب مذعورين ومتناثرين في إتجاهات عدة من صدمة وهول ما رأوه ، وندت من أحدهم صرخة مدوية .. - لاحول إلا بالله ، معيوف خصى نفسه يارجاااااااال ! .. إنتصبت الصرخة المدوية كنصل سيف بارق شرخ طرحة الليل السوداء المسدلة على رأس وكتفيّ الحىّ المنسي الغارق في العتمة ، والهاجع سكانه البسطاء على مراقد طافية تترجرج فوق أمواج أحلامهم المكررة في صبر أزليّ لنوال مرابع النعمة ! ...
القصة إنتهت وتصبحون على خير جدة ، كانون ثاني 2008 Sokkar.ksa@gmail.com
.jpg)
هناك تعليقان (2):
Dr.Mostafa Sokkar,
Your stories sokkar(sugar) like you, I enjoyed to read this story here in Turky, thank you very much, and please write more like this story to give us more enjoyment to this fantastik live you described.
thaks more.
Tahani Bostani
Estanbul
tahani_bos@yahoo.com
What a fantastic story! Dr Sokkar rocks
I loved it
إرسال تعليق